مقالات دينية

زهير بن القين وزوجته

24 نوفمبر 2014
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

زهير بن القين وزوجته

وعطفاً على ما سبق من موقف زوجة علي بن مظاهر نواصل حديثنا حول زهير الرجل الذي لم يكن يريد القتال أول الأمر مع الإمام الحسين (ع)، وكان الإمام الحسين عليه السلام في طريقه إلى كربلاء قد رأى خباء، فسأل عنه، فقيل له: هذا الخباء لزهير. فأمر (ع) غلامه أن يذهب ويدعوه إليه، فلما جاء الغلام وأخبره، بهت.

يقول الغلام: فطرح كل إنسان منهم مافي يده حتى كأنما على رؤوسنا الطير، فقالت له زوجته ديلم بنت عمرو: سبحان الله، يبعث إليك بن رسول الله (ص) ثم لا تأتيه؟ فلو أتيته وسمعت من كلامه. فمضى زهير إلى الإمام الحسين (ع) وكلمه، ثم عاد.

تقول زوجته: فرجع إلينا بغير الوجه الذي ذهب به، فإنه ما لبث أن جاء مستبشراً وقد أشرق وجهه، فأمر بفسطاطه فقوض، فحول إلى الحسين (ع) وقال لي: أنت طالق؛ فإني لا أحب أن يصيبك بسببي إلا خيراً، وقد عزمت على صحبة الحسين لأفديه بروحي، وأقيه بنفسي.  ثم أعطاها مالها وسلمها إلى من يوصلها إلى أهلها. فقامت إليه وبكت، وودعته وقالت: خار الله لك. أسألك أن تذكرني في القيامة عند جد الحسين (ص). ثم قال لأصحابه: من أحب منكم أن يصحبني، وإلا فهو آخر العهد به، إني سأحدثكم حديثا، غزونا بالبحر، ففتح الله علينا، وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان رضي الله عنه: فرحتم بما فتح الله عليكم، وأصبتم من الغنائم؟ قلنا: نعم. قال: إذا أدركتم قتال شباب آل محمد (ص) فكونوا أشد فرحا بقتالكم معهم مما أصبتم اليوم من الغنائم. ثم ودعهم ومشى إلى الحسين (ع).

فكان هذا الموقف المشرف الذي أبت في زوجته عليه إلا أن يقاتل مع الحسين (ع).

وفي رواية إنها رفضت أن تفارقه، وأبت إلا أن تكون مع نسوة رسول الله (ص) ولذلك ذكر لما نزل زهير يوم الطف إلى ساحة القتال واستشهد نظرت إليه زوجته ثم قالت لابنها: بني اذهب وبيّض لي وجهي عند فاطمة الزهراء.



في ذكرى شهادة الإمام السجاد (ع) في يوم 25 محرم الحرام سنة 95 للهجرة

19 نوفمبر 2014
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

في ذكرى شهادة الإمام السجاد (ع) في يوم 25 محرم الحرام سنة 95 للهجرة

👈 من دعائه :
اللهم طهر قلبي من النفاق ، وعملي من الرياء ، ولساني من الكذب ، وعيني من الخيانة ، فإنك تعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور …
👈من القابه :
-السجاد : لكثرة سجوده
-زين العباد : لحسن عبادته
-ذو الثفنات :  مكان السجود
-ابو الفقراء : لانه كان إذا جن عليه الليل يحمل كيسه المملوء بالطعام ويوزعه بالخفاء على الفقراء كي لا يريهم وجهه ويحرجهم
– محرر العبيد : فكان كل سنة يشتري العبيد ويعلمهم ويرشدهم حتى إذا جاء شهر رمضان اطلق سراحهم قائلا لهم :
كما اعتقت رقابكم من العبودية اسأل الله تعالى أن يعتق رقبتي من النار..
👈موقف حليم :
كانت جارية تسكب الماء على يديه “ع” فأهملت وسقط الإبريق على جبهته وسالت منها الدماء ، فنظر إليها الإمام وأدركت خطأها لكنها تعيش اجواء امام فقالت :
– والكاظمين الغيظ
– قال : قد كظمت غيظي
– قالت : والعافين عن الناس
– قال : لقد عفوت عنك
– قالت : والله يحب المحسنين
قال : إذهبي فأنت حرة لوجه الله
حوزة المصطفى (ص).



أولياء الله

18 نوفمبر 2014
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

أولياء الله

بسم الله الرحمن الرحيم .. اللهم صل على محمدٍ و آلِ محمدٍ و عجّل فرجهم الشريف ..

يا رسول الله عون .. يا أمير المؤمنين مدد .. يا سيدة النساء توفيق .. يا أبا محمد الحسن جود .. يا أبا عبدالله الحسين نظر .. يا سيدة النساء توفيق .. يا أبا صالح المهدي أغثني .. يا سادتي تسديد ..

 يا جواد الأئمة جُدْ ..

 وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ  .

وقفة لغوية : فؤاد أم موسى .. لولا أن ربطنا على قلبها .. في الآية ورد ذكر فؤاد وقلب في سياق واحد ؟ فهل هما بمعنى واحد أم بمعنيين مختلفين ؟ وإذا كانا بمعنى واحد فلما لم يعبر الباري بأحدهما دون ذكر الآخر ؟؟ و إن كانا بمعنيين مختلفين فمالفرق بينهما.؟؟

الكلام حول القلب و الفؤاد طويل و متشعب .. خلاصته :

بالنظر لهذه الآية يُعلم أن بينهما فرق دقيق .. لأنه كما يقول الأصوليون أن ما يقوله يريده حقيقة .. إذا كل لفظ أتى ليدلنا على مراد الله جل و علا ..  فالمولى يريد ان يبين لنا أن الفؤاد يختلف ولو نسبياً عن القلب .. كذلك ورد عنه (عليه السلام) قال: «السّفرجل قوّة القلب وحياة الفؤاد ويشجّع الجبان» .. و نرى أن الحبيب عبر عن فائدتين مختلفتين للسفرجل .. منها ما يخص القلب و منها ما يخص الفؤاد .. وكذلك ورد عنه قوله : ( صلى الله عليه واله وسلم) : ((أهل اليمن أرق افئدة وألين قلوباً )) ، يقول ابن منظور في لسان العرب : أنه وَصَفَ القلوبَ بالرِّقة، والأَفْئِدَة باللِّين، وكأَنَّ القَلْبَ أَخَصُّ من الفؤَاد في الاستعمال، ولذلك قالوا : أَصَبْتُ حَبَّةَ قلبه، وسُوَيْداءَ قلبه ، ذكر الفؤاد والقلب وذكر الفؤاد بالرقّة وهي الشفافية الشيء الرقيق واللين للشيء السميك الذي له بُعد فالقلب ليّن والفؤاد رقيق .

في كتاب مجمع الفروق اللغوية قالوا : لم يفرق بينهما اهل اللغة ، بل عرَّفوا كلاً منهما بالآخر ، وقال بعض أصحابنا من أهل الحديث : الافئدة توصف بالرقة ، والقلوب باللين – وذكر الفؤاد بالرقّة وهي الشفافية الشيء الرقيق واللين للشيء السميك الذي له بُعد فالقلب ليّن والفؤاد رقيق – ، لأن الفؤاد : غشاء القلب : إذا رق : نفذ القول فيه وخلص إلى ما وراءه ، وإذا غلظ : تعذر وصوله إلى داخله ، وإذا صادف القلب شيئاً علق به إذا كان ليناً.

و يرى بعض اللغويين أن القلب والفؤاد بمعنى واحد، ويرى بعضهم أن أحدهما أخص من الآخر. وذكروا أيضا أن الفؤاد مرتبة من مراتب القلب .

بالعودة لجو الآية الكريمة .. أم و تلقي بيديها ابنها الوحيد في اليم .. كيف سيكون حالها ؟؟ كيف سيكون حال فؤادها إلا أن يكون مضطرباً يغلي كالمجمر .. لذلك يعبرون أن الفؤاد من التفؤد التوقّد و الإشتعال والحرقة يُقال : تَفأَّدَتِ النارُ : تَحَرَّقَتْ وتوقَّدَتْ .. القرآن في مقام وصف حالة شعورية و نفسية لأم موسى .. وأنها و الحال هذه لابد أن يكون هكذا حالها من الاحتراق و الاضطراب بحيث يبلغ بها الذهول درجةً لا تلتفت معها إلى ما سيصيبها وولدها من الخطر لو صرخت من أعماقها وأذاعت أسرارها .. هذا هو المتصور ..

لكن القرآن يقول : أصبح فؤاد ام موسى التي تعيش تلك الأجواء النفسية الخانقة فارغاً .. فارغاً من ماذا ؟ بعض المفسرين قالوا فارغاً من كل شيء سوى موسى .. إلا أن العلامة الطباطبائي له مذهب آخر في المقام :

و المراد بفراغ فؤاد أم موسى فراغه و خلوه من الخوف و الحزن و كان لازم ذلك أن لا يتوارد عليه خواطر مشوشة و أوهام متضاربة يضطرب بها القلب فيأخذها الجزع فتبدي ما كان عليها أن تخفيه من أمر ولدها.

و ذلك أن ظاهر السياق أن سبب عدم إبدائها له فراغ قلبها و سبب فراغ قلبها الربط على قلبها و سبب الربط هو قوله تعالى لها فيما أوحى إليها: «لا تخافي و لا تحزني إنا رادوه إليك» إلخ.

وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ

و محصل معنى الآية و صار قلب أم موسى بسبب وحينا خاليا من الخوف و الحزن المؤديين إلى إظهار الأمر، لو لا أن ثبتنا قلبها بسبب الوحي لتكون واثقة بحفظ الله له لقربت من أن تظهر أمره لهم بالجزع عليه.

وهذا المعنى معاضد لما ورد في اللغة : ففي المعجم الوسيط و المغني .

فارغ الفؤاد : خال من الهمّ والحزن .

وهذا التفسير قد يكون هو الأقرب .. لأنه لو كان المعنى ام فؤاد ام موسى فرغ من كل شيء إلا من موسى وهمه فهذا سيبين في وجهها والحال أم مصر كلها كانت عيون لفرعون .. فكان بالإمكان افتضاح أمرها بسهولة .. لكن لتجري الأمور كما خططت لها يد القدرة الإلهية ولأجل حفظ هذا الوليد الواقع في يد الفرعون .. فإن الله تصرف في قلبها .. فأفرغه من كل هم و غم واشتغال بابنها .. فأصبح فؤاد أم موسى فارغاً .. مع أنه يفترض أن يكون محترقا مشتعلا بالحنين و الأنين ..

فيا سبحان الله العظيم .. القلب الذي يفترض أن يشتعل و يحترق و يضطرب و يحن ويأن يجعله جامداً ساكناً مطمئناً فارغاً .. والجامد الذي ظاهراً أنه لا حياة فيه يُسمع له حنين و أنين .. كما في قصة الجذع الذي كان يستند عليه الحبيب المصطفى في مسجده .. فلما تكاثر الناس استأذنه بعض الأصحاب في صنع منبر له .. فلما كان يوم الجمعة مر بالجذع ، فتجاوزه إلى المنبر فصعده ، فلما استوى عليه حن إليه ذلك الجذع حنين الثكلى ، وأن أنين الحبلى ، فارتفع بكاء الناس وحنينهم وأنينهم ، وارتفع حنين الجذع وأنينه في حنين الناس وأنينهم ارتفاعا بينا.

فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك نزل عن المنبر ، وأتى الجذع فاحتضنه ومسح عليه يده ، وقال : اسكن فما تجاوزك رسول الله صلى الله عليه وآله تهاونا بك ، ولا استخفافا بحرمتك ولكن ليتم لعباد الله مصلحتهم ، ولك جلالك وفضلك إذ كنت مستند محمد رسول الله . فهدأ حنينه وأنينه ، وعاد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى منبره ، ثم قال : معاشر المسلمين هذا الجذع يحن إلى رسول رب العالمين، ويحزن لبعده عنه، ففي عباد الله الظالمين أنفسهم من لا يبالي قرب من رسول الله أم بعد، ولولا أني احتضنت هذا الجذع، ومسحت بيدي عليه ما هدئ حنينه إلى يوم القيامة، وإن من عباد الله وإمائه لمن يحن إلى محمد رسول الله وإلى علي ولي الله كحنين هذا الجذع وحسب المؤمن أن يكون قلبه على موالاة محمد وعلي وآلهما الطيبين منطويا أرأيتم شدة حنين هذا الجذع إلى محمد رسول الله وكيف هدئ لما احتضنه محمد رسول الله ومسح بيده عليه؟ قالوا بلى يا رسول الله.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق نبيا إن حنين خزان الجنان، وحور عينها وسائر قصورها، ومنازلها إلى من توالى محمدا وعليا وآلهما الطيبين وتبرأ من أعدائهما لأشد من حنين هذا الجذع الذي رأيتموه إلى رسول الله، وإن الذي يسكن حنينهم وأنينهم ما يرد عليهم من صلاة أحدكم معاشر شيعتنا على محمد وآله الطيبين أو صلاة نافلة أو صوم أو صدقة وإن من عظيم ما يسكن حنينهم إلى شيعة محمد وعلي ما يتصل بهم من إحسانهم إلى إخوانهم المؤمنين، ومعونتهم لهم على دهرهم، يقول أهل الجنان بعضهم لبعض: لا تستعجلوا صاحبكم فما يبطئ عنكم إلا للزيادة في الدرجات العاليات في هذه الجنان بإسداء المعروف إلى إخوانه المؤمنين.

هذه الحنين و الشوق و الذكر من خزان الجنان و حورها و قصورها .. لمن ؟؟ لمن توالى محمداً وآله و تبرأ من أعدائهما .. هل هذه فقط مرتبة الموالين لكم ياآل محمد .. يقول لا .. خذوا هذه البشارة من لسان المصطفى ..

ورد عن الحبيب المصطفى  أنه قال : طوبى للموالين عليا عليه السلام إيمانا بمحمد و تصديقا لمقاله، كيف يذكرهم الله بأشرف الذكر من فوق عرشه، وكيف يصلي عليهم ملائكة العرش والكرسي والحجب والسماوات والأرض والهواء وما ببين ذلك وما تحتها إلى الثرى وكيف يصلي عليهم أملاك الغيوم والأمطار وأملاك البراري و البحار وشمس السماء وقمرها ونجومها وحصباء الأرض ورمالها وسائر ما يدب من الحيوانات فيشرف الله تعالى بصلاة كل واحد منها لديه محالهم، ويعظم عنده جلالهم حتى يردوا عليه يوم القيامة وقد شهروا بكرامات الله على رؤوس الاشهاد، و جعلوا من رفقاء محمد وعلي عليهما السلام صفي رب العالمين.

والويل للمعاندين عليا كفرا بمحمد وتكذيبا بمقاله، وكيف يلعنهم الله بأخس اللعن من فوق عرشه، .,.. فيسفل الله بلعن كل واحد منهم لديه محالهم ويقبح عنده أحوالهم حتى يردوا عليه يوم القيامة، وقد شهروا بلعن الله ومقته على رؤوس الاشهاد، وجعلوا من رفقاء إبليس ونمرود وفرعون أعداء رب العباد.

هنا المرتبة العظمى : وإن من عظيم ما يتقرب به خيار أملاك الحجب والسماوات الصلاة على محبينا أهل البيت واللعن لشانئينا .. لم يقل : الصلاة علينا اهل البيت بل أن خيار أملاك الحجب أي من وصلوا لمراتب معرفية عالية علموا أن أعظم ما يُتقرب به لساحة المولى جل و علا هو الصلاة على محبي آل محمد و اللعن لشانئيهم فتمسكوا بهذا العمل الجليل و نالوا به الزلفى لدى باريهم ..

أي فضل أعظم من هذا الفضل .. وأي شرف أسمى من هكذا شرف ..

ورد عن أبي جعفر عليه السلام: ما تبغون أو ما تريدون غير أنها لو كانت فزعة من السماء فزع كل قوم إلى مأمنهم، وفزعنا إلى نبينا وفزعتم إلينا . بيان: ” ما تبغون ” أي أي شئ تطلبون في جزاء تشيعكم وبإزائه ” غير أنها ” أي أتطلبون شيئا غير فزعكم إلينا في القيامة؟ أي ليس شيء أفضل وأعظم من ذلك.

هذا كله ببركات و فيوضات انتسابنا و موالاتنا لساداتنا سادات الوجود وحجج المعبود .. أهل البيت كلهم بركة علينا .. لكن نجد مولانا الرضا يجعل خصوصية يميز بها صاحب هذه الليلة عن باقي الأئمة كما في رواية الكليني الواردة في الكافي الشريف : عن  أبي يحيى الصنعاني قال: (كنت عند أبي الحسن الرضا (ع) فجيء بابنه أبي جعفر (ع) وهو صغير فقال (ع): هذا المولود الذي لم يولد مولود أعظم بركةً على شيعتنا منه).  و في رواية أخرى :

وروى الكليني أيضاً بسنده عن الأمام الرضا (ع) انه قال: (هذا المولود الذي لم يولد في الإسلام مثله مولود أعظم بركةً على شيعتنا منه). 

فلماذا امتاز مولانا الجواد بهذه البركة .. بحيث أن الإمام ينفي وجود مولود ولد وكان أعظم بركة منه .. والحال أنه بهذا ينفي أن يكون الرسول أو أمير المؤمنين أو أحد من أبائه المعصومين أعظم بركة منه لأنهم جميعاً ينطبق عليهم أنهم ولدوا في الإسلام ..

في جواب ذلك قالوا والله أعلم :

معنى البركة هو الخير الكثير والرزق الواسع، ولعل منشأ تميُّز الإمام أبي جعفر الجواد (ع) بسمة انَّه أعظم بركةً على شيعة أهل البيت (ع) هو انَّ الله عز وجل جعله وسيلة لاستدرار الرزق وقضاء الديون فأهل البيت (ع) وإنْ كانوا جميعًا وسائل لاستدرار الرزق وقضاء حوائج الدنيا والآخرة إلا انَّ الله تعالى -كما أفاد العلماء- خصَّ كل إمامٍ بما يتميَّز به، فمن أراد العافية مثلاً توسَّل بالإمام موسى بن جعفر (ع) ومَن أراد الأمان في الأسفار توسَّل بالإمام الرضا (ع) ومن أراد الانتقام من الظالمين توسَّل بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ومن أراد النجاة من السلاطين ومعرَّة الشياطين توسَّل بالإمام زين العابدين السجاد (ع) وهكذا.  فجعل لكل إمام خصوصية معينة ..

وعليه فالإمام أبو جعفر الجواد أعظم بركةً على شيعة أهل البيت لأنَّ الله تعالى جعل التوسُّلَ به سببًا لاتِّساع الرزق والتحصيل لموفور الخير.

ويمكن تأييد هذا الذي أفاده عدد من العلماء الأفاضل بما أورده الشيخ الطوسي رحمه الله في كتابه مصباح المتهجد في أدعية الساعات، فقد أورد لكلِّ ساعةٍ من ساعات النهارَ الإثني عشرَ دعاءً وكان كلُّ دعاءٍ مشتملاً على توسٌّلٍ بأحد المعصومين الإثني عشر (ع) وقد اختص كلُّ معصومٍ بشأنٍ يُتوسل به إليه، فالتوسل لتحصيل العافية من الأسقام كان بالإمام الكاظم (ع) والتوسل لكفاية شئون الآخرة وأهوالها كان بالإمام الصادق (ع) وأما التوسل بالإمام الرضا (ع) فكان للأمن والنجاة في الأسفار، وأما التوسل بالإمام الجواد (ع) فكان للاستغناء وسعة الرزق .

وقد أرود العلامة المجلسي صاحب البحار رحمه الله دعاءً وأفاد انَّه متضمن للتوسُّل بكل واحدٍ من الأئمة (ع) لما جُعل له. فكان مما اشتمل عليه الدعاء:(وأسألك بحق وليك أبي جعفر الجواد (ع) إلا جُدت عليَّ به من فضلك وتفضَّلت عليَّ به من وسعك ما أٍستغني به عما في أيدي خلقك .. وبارك لي فيه وفيما لك عندي من نعمتك وفضلك ورزقك..).

فلذلك كان أعظم بركة على الشيعة لكونه بابا لسعة الأرزاق و التوسعة على الشيعة وهو أجلى مصداق ظاهري وحسي للبركة التي هي النماء و الزيادة  .. و البركة لا تقتصر على الرزق المادي .. بل كل رزق هو بركة .. قصة تنقل عن الإمام الجواد توضح هذا المطلب و تحتوي على مضامين عالية .. يُقال دخل رجل على الإمام الجواد  وكان مسروراً فقال له الإمام:

مالي أراك مسروراً؟ قال: يابن رسول الله سمعت أباك يقول أحقّ يوم بأن يسر العبد فيه يوم يرزقه الله صدقات ومبرات وسد خلات من أخوان له مؤمنين فإنه قصدني اليوم عشرة من إخواني ]المؤمنين[ الفقراء لهم عيالات، قصدوني من بلد كذا وكذا فأعطيت كل واحد منهم، فلهذا سروري.

فقال محمد بن علي سلام الله عليه: لعمري انك حقيق بأن تسرّ إن لم تكن أحبطته أو لم تحبطه فيما بعد.

فقال الرجل: وكيف أحبطته وأنا من شيعتكم الخلّص؟

قال: هاه قد أبطلت برّك بإخوانك وصدقاتك.

قال: وكيف ذاك يابن رسول الله؟

قال له محمد بن علي سلام الله عليه: أقرأ قول الله عزّ وجل: «يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى».

قال الرجل: يابن رسول الله ما مننت على القوم الذين تصدقت عليهم ولا آذيتهم.

قال له محمد بن عليه سلام الله عليه: أن الله عز وجل إنما قال: «لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى» ولم يقل لا تبطلوا بالمنّ على من تتصدقون عليه وبالاذى لمن تتصدقون عليه وهو كلّ أذى، أفترى أذاك للقوم الذين تصدّقت عليهم أعظم أم أذاك لحفظتك وملائكة الله المرقبين حواليك أم أذاك لنا؟

فقال الرجل: بل هذا يابن رسول الله.

فقال: فقد آذيتني وآذيتهم، وأبطلت صدقتك.

قال: لماذا.

قال: لقولك وكيف أحبطته وأنا من شيعتكم الخلّص؟ ويحك أتدري من شيعتنا الخلّص؟ قال: لا. قال: شيعتنا الخلّص حزقيل المؤمن مؤمن آل فرعون وصاحب يس الذي قال الله تعالى فيه: «وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى» وسلمان وأبوذر والمقداد وعمار، أسوّيت نفسك بهؤلاء؟ أما آذيت بهذا الملائكة وآذيتنا؟ فقال الرجل: أستغفر الله وأتوب إليه. فكيف أقول؟

قال: قل أنا من مواليكم ومحبيكم ومعادي أعدائكم وموالي أوليائكم.

فقال: كذلك أقول وكذلك أنا يابن رسول الله، وقد تبت من القول الذي أنكرته، وأنكرته الملائكة فما أنكرتم ذلك إلا لإنكار الله عز وجل.

فقال محمد بن علي بن موسى الرضا سلام الله عليهم: الآن قد عادت إليك مثوبات صدقاتك، وزال عنها الاحباط.

اعرف مقامك ولا تدعي ماليس لك ..

معلوم ان العمل إذا أحبط فإنه لايُرد و لايُعاد .. مثاله كمن تعرض لحادث و تهشمت عظامه و تناثر لحمه .. هل يعود لما كان عليه .. محال .. إلا أنه ببركات الإمام الجواد .. – ببركات رزقه المعنوي الخفي – أعاد عمل هذا الرجل لصورته الحسنة الأولى وكأن شيئاً لم يكن ..

ويحك ؟؟ أتدري من شيعتنا الخلص ؟؟ هذا المقام العظيم للخواص وليس لكل أحد .. أنتم موالين و محبين ..

الشيعة الذين يقول فيهم الصادق عليه السلام كان يقول: والله إني لأحب ريحكم وأرواحكم ورؤيتكم .. هذا المقام الرفيع هو لأمثال علي بن مهزيار .. وليس لنا ..

علي بن مهزيار الذي لم يُرَ مثله في طاعته وتقواه ، وبلغ من عبادته إنه إذا طَلعت الشمس سَجد لله ، فلا يرفع رأسه من السجود حتى يدعو لألف رجل من إخوانه ، بمثل ما دعى لنفسه ، وكان على جبهته مثل ركبة البعير من كثرة السجود لله .

علي بن مهزيار كان مسيحياً ، فهداه الله إلى الإيمان ، فأسلم وأخلص في إسلامه كأشدّ ما يكون الإخلاص .  و كان عند الإمام الجواد بمنزلة عظيمة مما أفرد له كتاباً بخطه يذكره فيه :

بسم الله الرحمن الرحيم يا علي أحسن الله جزاك ، وأسكنك جنته ، ومنعك من الخزي في الدنيا و الاخرة ، وحشرك الله معنا ، يا علي قد بلوتك وخيرتك في النصيحة والطاعة والخدمة والتوقير والقيام بما يجب عليك ، فلو قلت : إني لم أر مثلك ، لرجوت أن أكون صادقا ، فجزاك الله جنات الفردوس نزلا ، فما خفي علي مقامك ، ولا خدمتك ، في الحر والبرد ، في الليل والنهار ، فأسأل الله إذا جمع الخلائق للقيامة أن يحبوك برحمة تغتبط بها إنه سميع الدعاء .
بعث الإمام الجواد ( عليه السلام ) إلى علي بن مهزيار عِدَّة رسائل ، وهي تكشف عن عظيم صلته بالإمام ( عليه السلام ) ، وسموِّ منزلته ومكانته عنده . ومن بين هذه الرسائل ،

قول ( عليه السلام ) : ( قد وصل إليّ كتابك ، وفهمت ما ذكرت فيه ، وقد ملأتني سروراً ، فَسرَّك الله ).

ودلَّت هذه الرسالة على قيام علي بن مهزيار بخدمة الإمام ( عليه السلام ) ، وقد ملأت قلبه الشريف فرحاً وسروراً ، فراح يدعو له بأن يجزل له الله المزيد من الثواب والأجر .

 وكتب علي إلى الإمام الجواد ( عليه السلام ) رسالة ، يسأله التوسعة عليه ، وتحليله لما في يده من مال للإمام فأجابه ( عليه السلام ) : ( وسَّع الله عليك ، ولمن سألت له التوسعة في أهلك وأهل بيتك ، ولك يا علي عندي أكثر من التوسعة ، وأنا أسأل الله أن يصحبك بالتوسعة والعافية ، ويقدِّمك على العافية ، ويسترك بالعافية إنَّه سميع الدعاء ) . لقد احتلَّ علي بن مهزيار قلب الإمام ( عليه السلام ) بصلاحه وتقواه ، ومزيد خدماته له .

قال(عليه السلام): «وقد فهمت ما ذكرت من أمر القمّيين، خلّصهم الله وفرّج عنهم، وسررتني بما ذكرت من ذلك، ولم تزل تفعل، سرّك الله بالجنّة، ورضي عنك برضائي عنك، وأنا أرجو من الله حسن العون والرأفة، وأقول: حسبنا الله ونعم الوكيل».

قرأتُ في تراجم بعض أصحاب الإمام الجواد عليه السلام فلم أرَ فيمن قرات أحداً نال هكذا كرامة سواه .. و بالمثل قرأت في قصص لقاءات صاحب العصر و الزمان فرأيتُ لكلٍ فضل لكني لم أرَ شخصاً حاز من الكرامات و الفيوضات الخاصة من ولي العصر ما حازه سيد عظيم .. فإذا كان علي بن مهزيار قد نال شرف أن يخط له الإمام الجواد دعاء خاص فإن هذا السيد قد حضي بسماع دعوة خاصة له من إمام زمانه الغائب حين قال له أدع لي .. تبدأ القصة حين يفتح عينيه بعد أن يُغشى عليه من شدة العطش يفتحها فيرى رأسه في حضن شيخ جليل فيسقيه ماءً عذباً يقول لم أذق مثله طيلة عمري لحلاوته و عذوبته. يقول : وبعد الارتواء فتح مائدة وإذا فيها اثنان أو ثلاثة أقراص من الخبز .. أي ارتواء بعد هذا الارتواء الروحي المهيب .. يرى رأسه في حجر محبوبه ويسقيه بكفه ماء أليس هذا هو غاية المرام للمحب الواله : القرب من الحبيب و السقيا ..

هذا كله كان في أثناء زيارته للعسكريين  ثم بعد ذلك هذا السيد العظيم ذاته أثناء إقامته عند العسكريين  يبيت ليلة في السرداب المطهر فإذا هو بصوت جميل : سلم عليه وناداه باسمه ثم أوصاه بأمور خصه بها ثم قال السيد لصاحب الصوت الجميل والطلعة البهية  أدع لي يقول فرفع يده ودعا لي قائلاً : إلهي بحق النبي وآله وفق هذا السيد لخدمة الشرع وأذقه حلاوة مناجاتك ، واجعل حبه في قلوب الناس واحفظه من شر و كيد الشياطين سيما الحسد .

وفي ذات اللقاء يقول له الإمام أو كما يعبر هو السيد الحجازي : معي تربة سيد الشهداء وهي أصيلة من دون خليط .. بلى لاريب أن تكون أصيلة وتفوح منها رائحة الجنان فهي تراث ورثه هذا المحزون المثكول أباً عن جد .. يقول فأكرمني ببعض المثاقيل منها .. أتحفه ببعض تلك التربة التي عجنت بدم الشهيد .. أي فخر بعد هذا الفخر ..ليس هذا فقط بل وأعطاه خاتم عقيق يقول : لايزال معي وشوهدت له آثار عظيمة .. ومما أكد على تلاوة القرآن وصلاة الليل وقال : يا سيد أسفاً على أهل العلم أنهم يعتقدون بانتسابهم إلينا ولايديمون هذا العمل .. فلنعلم من نحن عند ولي الأمر .. هل نحن ممن تقر به عينه فيتحفه أم ممن يأسف لحالهم ويؤذيه .. وفي كرامة أخرى له من سيده أنه صلى خلف إمامه جماعة في زمان غيبته وانفرد بهذا الشرف وحده وذاق حلاوة الأنس ودنا في القرب أقول ربما عاش لحظات الملكوت ورآها عياناً .. أي شرف وأي فضل خُص به دون غيره هذا السيد العظيم الشأن أن يصلي صلاة مفروضة خلف إمامه .. لو لم يكن له من دنياه إلا هذا العمل المقبول لدخل به الجنة فكيف بما عرف عنه من فضائل و مناقب ..

لاريب أنكم عرفتم هذا العظيم أو تتحرقون لمعرفته .. صاحب هذا المقام الجليل هو السيد المرعشي النجفي .. واحسرتاه إذ غاب مثل هذا الولي عن دنيانا .. فلو كان معنا إذاً لأخذنا التراب من تحت أقدامه .. سيد كانت ملامح الصلاح فيه تنبلج من صغره .. كانت تطلب منه والدته أن يوقظ أباه فيصعب عليه أن يناديه فكان يمسح وجهه وخده بباطن قدم والده فيستيقظ والده بتلك الدغدغة اللطيفة من ولده البار فيرفع كفه مستبشراً فيدعو لولده بالتوفيق .. فنال من مقاماته الرفيعة مانال وزيد في توفيقه ببركات دعاء والديه ..

حقيق بنا أن نستعرض حياته ونبحثها فصلاً ففصلاً علنا نفهم كنه هذا العظيم .. وخذ العجب العجاب من حياته و وصيته .. في النجف أثناء طلبه للعلوم إلتقى بتسعة أخلاء على محبة الله وكان هو عاشرهم وكانوا جميعاً من طلبة العلوم الدينية منهم : السيد الحكيم والسيد الشاهرودي والسيد الخوئي اتفقوا على زيارة سيد الشهداء مشياً على الأقدام طوال فترة دراستهم وقد وفقوا لـخمسٍ وعشرين زيارة مشياً على الأقدام فحلي بركات المولى الحسين عليهم فأصبحوا جميعاً مراجع تقليد ومجتهدين عظام .

وإذا أردت أن تقيس عظيماً من العظماء أنظر لآخر كلماته تجده يلخص فيها حياته ويصب فيها عصارة ذاته .. خصوصاً إن كانت الوصية لأحبائه .. فانظر لهذا العظيم بماذا أوصى .. الأولى بنا أن ندرس وصيته لنعرف بماذا يجب أن نوصي نحن :

  • أوصى بأن تُدفن معه الخمرة أو السجادة التي صلى عليها 70 سنة صلاة الليل .. وعمره 83 إذاً منذ أن كان عمره 13سنة أدمن ورد الليل ونافلته لمثل هذا فليعمل العاملون ..
  • وأن تُدفن معه السبحة التربتية التي كان يستغفر بها في الاسحار ..
  • أن يُوضع تحت لسانه عقيق نقشت فيه الأسماء المقدسة الخمسة لأصحاب الكساء  وعقيق آخر نقشت فيه أسماء المعصومين ألأربعة عشر  .

هذا المرجع العظيم يمر بقارئ ينعى الحسين فيبكي الناس بكاءا شديدا و يصلون لحالة من التفاعل عجيبة فماإن ينتهي يقول له : هل أهديك ثواب صلاة الليل التي كنت أداوم عليها منذ كنت في الثالثة عشر من عمري على أن تهديني ثواب ما قمت به الآن من عمل .. هذا المرجع يعلم ما قدر البكاء على الحسين .. هذا البكاء يسر قلب فاطمة .. هذا القلب المنفطر على أبنائها ..



العباس معجزة الطف

16 نوفمبر 2014
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

العباس معجزة الطف

بسم الله الرحمن الرحيم .. اللهم صل على محمدٍ وآلِ محمدٍ و عجّل فرجهم الشريف ..

يا رسول الله عون .. يا أمير المؤمنين مدد .. يا سيدة النساء توفيق .. يا أبا محمد الحسن جود .. يا أبا عبدالله الحسين نظر .. يا أبا صالح المهدي أغثني .. يا سادتي تسديد ..

وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّلِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْم تَشْخَصُ فِيهِ الاَْبْصَرُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) إبراهيم .

الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم حقاً في حد ذاته معجزة إلهية تذهل العقول ، مشهد مهول رهيب يُرسم بعبارات قصيرة لكنها رغم قصرها تؤدي أكمل بيان و تعطي أوضح صورة .

يريد المولى في هذه الآية الإفصاح عن شدة هول يوم القيامة ، فلا يأتي بأوصافها و لا بعرض ما يحدث فيها و لا يذكر الأهوال الشديدة بل يستعيض عن ذلك الشرح الطويل ببيان حال الناس في ذلك الموقف ، بيان حال من يعيشون رهبة اللحظة ، بيان انعكاس هذا الهول و تأثيره عليك أيها الانسان عله يكون أقرب في الشعور و التصور .. و مع ذلك ولم يأتِ بوصف طويل للحال – والحال أنه مقام عظيم شديد ثقيل لا يتصوره انسان – بل أتى اكتفى بذكر أوصاف خمسة .. وحين نقترب و ندقق أكثر نراه ركز في أوصافه على نقطتين فقط من جسم الانسان وهما الرأس و العين ..

  • تشخص فيه الأبصار : «تشخص» من مادّة «الشخوص» بمعنى توقّف العين عن الحركة والنظر إلى نقطة بدهشة.
  • «مهطعين» من مادّة «إهطاع» بمعنى رفع الرقبة، وقال آخرون: تعني «النظر بذلّة وخشوع».
  • «مقنعي» من مادّة «الإقناع» بمعنى رفع الرأس عالياً.
  • (لا يرتدّ إليهم طرفهم) أي لا يقدرون على أن يطرفوا من شدّة الهول، وكأنّ أعينهم كأعين الأموات عاطلة عن العمل!
  • (أفئدتهم هواء) بمعنى قلوبهم خالية عن التعقل و التدبير لشدة الموقف، ومضطربة بحيث ينسون كلّ شيء حتّى أنفسهم وفقدت قلوبهم وأنفسهم كلّ إدراك وعلم، وفقدوا كلّ قواهم.

إنّ بيان هذه الصفات الخمس: تشخص الأبصار، مهطعين، مقنعي رؤوسهم، لا يرتدّ إليهم طرفهم، أفئدتهم هواء، صورة بليغة لهول وشدّة ذلك اليوم على الظالمين الذين كانوا يستهزئون بكلّ شيء، وأصبحوا في هذا اليوم لا يستطيعون حتّى تحريك أجفان أعينهم، تلك الحركة اللإرادية البسيطة التي لا نلتفت إليها لخفتها ، في ذلك اليوم نكون عاجزين عنها ، فكيف ببقية التصرفات .

ولماذا النظر للأعلى بالذات ، مع أن النظر للأسفل هي علامة الذل والاستكانة لكن اللهه يقول مقنعي رؤوسهم ؟ بلى هم كذلك لكي لا يشاهدوا المناظر المفجعة  والأهوال الشديدة لذا فهم ينظرون إلى الأعلى فقط، مدهوشين لدرجة أنّ نظرهم نظر المجانين. بل الأموات نظر جاف عديم الروح ومليء بالرعب والفزع ..

حالة الفزع و الجزع و الرهبة و الرعب لا يمكننا تصورها أبدا .. هول القيامة عظيم جدا وتبلغ عظمته وشدته إلى حد أن الأموات في عالم البرزخ والقبر يفزعون منه أيضا و يعيشون مثل هذه الحالة وذلك يستفاد من بعض الروايات التي تتحدث عن أموات الذين عادوا الى الحياة الدنيا بدعاء أولياء الله كانت شعورهم مبيضة جميعها . . ولما سئلوا عن سبب ذلك قالوا : عندما أمرنا بالحياة ظننا أن القيامة قامت فابيض شعرنا من هول القيامة ووحشتها !!

أهوال هكذا صفتها ماذا أعددنا لها .

 يدخل النبي على فاطمة الزهراء عليها السّلام فيجدها تبكي، فيقول: يا قرة عيني، ما الذي أبكاك ؟ تقول: ذكرت قول اللّه تعالى: « وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً»  . يقعد النبي  و يقول: يا قرة عيني، لقد ذكرتِ يوماً عظيماً. ثم قال لها: يا فاطمة، تُحشر أمتي عراة حفاة عُطاشا، أوزارهم على ظهورهم، و دموعهم تجري على خدودهم! فقالت فاطمة : يا أبتاه، أما تستحي النساء منالرجال؟! فقال النبي  : يا فاطمة، إن ذلك اليوم كل نفس مشغولة بنفسها. أما سمعت قول اللّه تعالى: «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ». فقالت فاطمة  : يا أبت، أين ألقاك يوم القيامة؟ فقال: تجديني يوم القيامة على الحوض، أنا و أبو الحسن علي، أسقي أمتي من العطش. قالت: فإن لم أجدكم على الحوض؟! قال: تجديني على الصراط، و الأنبياء حولي و أنا أقول: ربّ سلّم أمتي، ربّ سلّم أمتي، و الملائكة يقولون: آمين، آمين.

الأنبياء يلوذون بجناب رسول الله  من شدة الهول ، رسول الله في ذلك اليوم مشغول بأمته عن حبيبته فاطمة لدرجة أنها تسأل أين أجدك ؟ لذلك ذكر لها موضعه عند الحوض قالت فإن لم أجدك هناك قال حتما ستجديني على الصراط .. لأنه العقبة و المحطة الأشد و بعدها إما جنة أو نار .. شغل شاغل للحبيب في ذلك اليوم الذي رغم هوله و شدته إلا أنه يوم إظهار الكرامة لمحمدٍ وآل محمد ولمن أطاع الله .. في الرواية الشريفة عن رسول اللّه : حوضي أشرب منه يوم القيامة أنا و من آمن بي و من استسقاني من الأنبياء، و تبعث ناقة ثمود لصالح فيحتلبها، فيشرب من لبنها هو و الذين آمنوا معه من قومه، ثم يركبها من عند قبره حتى توافي به المحشر. لها رغاء، و هو يلبي عليها.

فقال معاذ: إذن تركب العضباء يا رسول اللّه؟ قال: لا! تركبها ابنتي و أنا على البراق اختصصت به من دون الأنبياء يومئذ.

الانبياء في يوم العطش الأكبر يستسقون رسول الله ، لكن لنبي الله صالح كرامة و استسقاء خاص وهي ناقة الله ..

هذه الناقة المعجزة سيكون لها حضور يوم القيامة ليُقتص ممن قتلها و ظلمها في محكمة العدل الإلهية ، « وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً»، كل شيء سيحشر حتى من رفع للسماء لكرامته سيحشر ، حتى الأجزاء من الأجسام ستحشر  ، أنتم تعلمون أن هناك من رفع للسماء : و مارفع على نحوين : فهو إما أشخاص كأنبياء الله إدريس و عيسى ، أو أجزاء من أجسام : ككفوف مولانا أبي الفضل العباس التي رفعتهما معها سيدتنا فاطمة  للسماء وادخرتهما ليوم القصاص العظيم .

جاء في كتاب ( أسرار الشهادة ) نقلاً عن بعض كتب المقاتل : أنّه إذا كان يوم القيامة واشتدّ الأمر على الناس ، بعث رسول الله  بإذن من الله تعالى الإمامَ أمير المؤمنين  إلى ابنته الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء  لتحضر مقام الشفاعة . فيقبل الإمام أمير المؤمنين  إليها ويخبرها بما قاله أبوها رسول الله  ، ويطلب منها حضور مقام الشفاعة ، ثمّ يسألها قائلاً : يا فاطمة , ما عندك من أسباب الشفاعة ؟ وما الذي ادّخرتيه لأجل هذا اليوم الذي فيه الفزع الأكبر ؟  . 

فتجيبه فاطمة  بقولها له : يا أمير المؤمنين , كفانا لأجل هذا المقام اليدان المقطوعتان من ابني العبّاس  .

يقول الأعلام تعليقا على هذه الرواية : في هذا الخبر دلالة كافية على قبول الله تعالى اليدين المقطوعتين لأبي الفضل العبّاس ، [ اللّتين ] قطعتا في سبيله ، وفي نصرة دينه ووليّه .

هو العباس و كفى ، كفوفه هي أول ما يُستشفع بها في يوم الفزع الأكبر ،  هذه الكفوف لشرافتها و عظمتها أصبح لها مستقر عند فاطمة التي مالتقطت من كربلاء الحسين شيئا لتدخره في منديلها إلا تلك الكفوف ، لم تلتقط شيئاً من جسد حبيبها الحسين المقطع وهو أكرم عند الله وأعز وذلك لأن الحسين له خصوصية خاصة لا نعلمها و جسده له حالة خاصة ، اللله جل شأنه بعث حبيبته فاطمة لتختار من بين كل الأجساد المقطعة في كربلاء جسد العباس لتصطفي إليها الكفين الطاهرين ليكونا معها في الجنان ، مثله في ذلك كمثل دماء الحسين الشهيد ( أشهد أن دمك سكن في الخلد ) معلوم أن الدم من النجاسات التي يجب لها الطهارة ، بينما دم الحسين له حكم خاص يبعث الله أشرف خلقه محمد ليلتقط دمه من كربلاء ليسكنه الخلد ، يقول المرجع آية الله الشيخ الوحيد الخراساني : و لا مقام أرفع من هذا المقام فإن سكنى دمه الذي هو من عالم الدنيا و دار الفناء في دار البقاء و جنة الخلد يكشف عن انقلاب الدم الذي هو من عالم الملك بمجاورة روحه إلى عالم الملكوت وأنه بلغ من الطيب و الطهارة إلى مرتبة قال الله سبحانه فيها :  إليه يصعد الكلم الطيب  . يعني إن صح التعبير يقول : هذا الدم الذي هو مخلوق ملكي ( أي من عالم الملك ) انقلب لمخلوق ملكوتي ، ليتناسب مع سكنى عالم الملكوت ، كذلك هي كفوف أبي الفضل عباس فأي كرامة أكبر من هكذا كرامة ، أن يسكن دم الحسين في جنة الخلد و تسكن كفوف العباس في جنة فاطمة !!

العباس وجود خاص و تميّز خاص لا ندركه ، حتى اسمه المبارك ينطق بذلك : جاء في لسان العرب أن معنى العباس هو الأسد الذي تهرب منه الأسود . هو النوع المتميز بين أفراد جنسه ، هو أسد كبقية الأسود لكن له خصوصية جعلت الأسود – بما هي أسود – تهرب منه .

كثيرة هي الأمور التي تميز بها العباس منها أنه قمر بني هاشم ، لكن مثل هذا اللقب يشاركه فيه غيره وإن كان التميز فيه للعباس أقوى و أشد ، علي الأكبر مثلا كان له من الجمال و صباحة الوجه و الشباهة من حبيب الله ما جعله يتبرقع عن الناس ، و من اللطيف الذي يوضح ما ذكرناه ماورد في فرسان الهيجاء من : أنّ أبا الفضل العبّاس   إنّما دُعي قمر بني هاشم ؛ لأن نور مُحيّاه كان يُضيء كلّ ظلمة ، وجمال هيئته كان يبهر كلّ ناظر ؛ فإنّ نور وجه أبي الفضل العبّاس وجمال مُحيّاه كان بدرجة من العظمة والبهاء ، بحيث أنّه لو اتّفق أن رافق في الطريق ابن أخيه علي الأكبر الذي كان أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً بجدّه رسول الله  اصطفّ أهل المدينة في طريقهما ليتفرّجوا على جمالهما ، ويزوروا مُحيّاهما ، ويتزوّدوا من نور إيمانهما ومعنوياتهما العالية.

لكن هناك ميزات اختص بها هذا العظيم دون غيره من الناس ، كانت لديه جعلته يشارك المعصوم في بعض خصوصياته .. منها ماورد من أن الإمام الحسين  أشركه في غسل في تجهيز الإمام المجتبى (عليه السّلام) ، وتغسيله له وتكفينه إيّاه ، مع أنّه لا يلي تجهيز المعصوم إلاّ المعصوم ، ومَنْ أوصى المعصوم ، ورآه المعصوم صالحاً لأن يشارك المعصوم في تجهيزه .

يقول صاحب كتاب الخصائص العباسية : والظاهر : أنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو مَنْ قد أوصى الإمام المجتبى (عليه السّلام) أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) بمشاركته له في تجهيزه ، ورآه الإمام الحسين (عليه السّلام) أيضاً صالحاً لذلك ، فشرّكه معه في تجهيزه كما شرّك الإمام أمير المؤمنين ابن عمّه الفضل بن العبّاس بن عبد المطلب في تجهيز رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، لكن مع إلزامه في تعصيب عينيه ؛ خشية العمى إن وقع بصره على ذلك الجسد الطاهر ؛ فإنّ غير المعصوم كما لا يحقّ له تجهيز المعصوم ؛ لعدم المجانسة في العصمة والطهارة معه ، فكذلك لا يحقّ له النظر إلى جسد المعصوم عند تجهيزه ، وإلاّ عمي بصره .

بينما أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) قد شارك أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) في تجهيز الإمام المجتبى (عليه السّلام) ، ولم يذكر في التاريخ أنّه عصّب عينيه أو غضّ طرفه عند مشاركته له ، وهذا يدلّ على عظمة شأن أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وجلالة قدره .

هذه شهادة من الحسين و شهادة أخرى ووسام شرف آخر يهدى له من أمير المؤمنين  .. ياتي إعرابي ليهدي للأمير هدية في صندوق ، يفتح الصندوق فإذا فيه شيء ملفوف ، ففلّه فإذا هو سيف عضب من السيوف الجيّدة ، وله حمائل جميلة ، يقدمه للأمير فيشكره على هديته ، ثمّ أخذ – بأبي هو و أمي – يقلّب السيف بيده وينظر إليه ، وهو يقول لمَنْ كان معه من أصحابه : أيّكم يستطيع أن يؤدّي حقّ هذا السيف فيكون حقيقاً بأن أهديه له ؟  . موقف حازم و صعب فارس الفرسان و مجدل الابطال يبحث عمن هو حقيق و يليق بهذا السيف ، أي يبحث عن الفارس الأوحد بعده الذي يستحق أن يحمل السيف بدلاً عنه ، لذلك لا أحد يتجرأ أن يقف أمام علي ليقول أنا أؤدي حق هذا السيف !!

وبينما هم كذلك إذ يدخل أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) المسجد ـ وهو إذ ذاك لم يبلغ الحلم ـ , وأقبل نحو أبيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) فسلّم عليه ، ووقف بين يديه متأدّباً ، وأخذ يُطيل النظر إلى السيف الذي في يد أبيه ، فأجاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) سلام ولده ، ثمّ أخذ ينظر إليه وهو يعيد مقالته ويقول : أيّكم يستطيع أن يؤدّي حقّ هذا السيف فيكون جديراً بأن أهديه له  . فقال أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) : وما حقّ هذا السيف يا أبتاه ؟

فقال الإمام أمير المؤمنين  : ولدي عبّاس ، حقّ هذا السيف هو أن تحمي به أخاك الإمام الحسين (عليه السّلام) وتحامي عنه  . فقال أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وبكلّ انشراح ورحابة : أنا لذلك يا أبتاه .

فقال أمير المؤمنين ، وقد ابتهج بشجاعة ولده العبّاس (عليه السّلام) ، وهشّ لبسالته ووفائه : نعم ، أنت له  .

وقد أشار إليه بأن يدنو منه ، فلمّا دنا منه قلّده إيّاه ، فطال نجاد السيف على العبّاس (عليه السّلام) فقصّره له ، ثمّ جعل ينظر إليه ويطيل نظره ، وهو يبكي ودموعه تتحادر على خدّيه ، فقال له أصحابه : وما يبكيك يا أمير المؤمنين ؟ لا أبكى الله عينيك ! فقال (عليه السّلام) ، وقد اختنق بعبرته : كأنّي بولدي هذا وقد أحاطت به الأعداء من كلّ جانب ، وهو يضرب فيهم بهذا السيف يمنة ويسرة ، ويحمي به أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ويحامي عنه حتّى تقطع يداه في نصرته ، ويقصف رأسه بعمد من الحديد في حمايته والدفاع عنه  .

هذه الشهادة من الأمير لها قيمة عالية ، وسام الشجاعة و الأوحدية قلده إياه أباه أمير المؤمنين كما قلده الله شرافة و كرامة وسام باب الحوائج .. فكما أنه أدى مع أخيه حق وسام الشجاعة الحيدرية فإنه يؤدي مع قاصديه و محبيه و مريديه وسام بوابة الحوائج ..

لذلك التوسل بأبي الفضل له مراسم خاصة وألفاظ خاصة يذكرها الأعلام ..

  • نقل عن العلاّمة المازندراني صاحب كتاب معالي السبطين أنّه قال : مَنْ كانت له حاجة ويشكو مشكلة فليتوسّل إلى الله تعالى بأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وليكرّر هذا التوسّل أياماً حتّى تُقضى حاجته ، وترتفع مشكلته ، وذلك بأن يصلّي على محمّد وآل محمّد ( 133 ) ، ثمّ يقول : يا عبّاس ( 133 ) مرّة ، ثمّ يعود فيصلّي على النبي وآله ( 133 ) مرّة ، فإنّ الله تعالى يقضي له حاجته ، ويفرّج عنه مشكلته .
  • يا كاشف الكرب عن وجه أخيه الحسين  , اكشف كربي بحقّ أخيك الحسين   (133مرة)
  • وجاء في كتاب ( الكبريت الأحمر ) للعلاّمة النحرير الشيخ البيرجندي أنّه قال وهو يتحدّث عن نفسه ، ويقصّ بعض خواطره : أنّه كان قد توسّل بأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) إلى الله تعالى في إنجاز بعض مهمّاته ، ووسّطه في حلّ شيء من مشكلاته ، ولكنه لم يرَ أثراً من الإجابة .
  • فرأى ذات ليلة رؤيا صادقة في منامه أنّه رأى شخصاً يقول له : كلّ مَنْ كانت له حاجة إلى الله تعالى فليقرأ هذه العبارة متوسّلاً بأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) إلى الله ؛ فإنّ الله تعالى يقضي له حاجته بوجاهة أبي الفضل (عليه السّلام) عنده ، والعبارة هي كالتالي : عبد الله ، أبا الفضل ، دخيلك . قال الشيخ البيرجندي : فما توسّلت إلى الله تعالى بعد ذلك بأبي الفضل (عليه السّلام) وقرأت هذه العبارة إلاّ وقضى الله تعالى حاجتي ، وكشف عنّي همّي وغمّي ، وبلغني مناي وأملي .
  • حتى مولاي الحجة بن الحسن يوجه قاصديه لبوابة التوسل بأبي الفضل ينقل عن أحد المراجع العظام نقلاً عن بعض العلماء المقيمين في قم المقدّسة أنّه قال : عرضت لي مشكلة فتوسّلت بإمام العصر الحجة بن الحسن العسكري (عليه السّلام) إلى الله تعالى في حلّها ، وكنت أذهب في ذلك إلى مسجد جمكران المعروف في قم المقدّسة .

مضت على ذلك مدّة من الزمان ولم أرَ أثراً من الإجابة ، فانكسر قلبي ذات مرّة وأنا في الصلاة المستحبة التي تُصلّى في مسجد جمكران ، وأخذت أُخاطب سيّدي ومولاي الإمام الحجة (عليه السّلام) وأقول : سيّدي ومولاي ، لقد توسّلت بك إلى الله تعالى في حلّ مشكلتي وقضاء حاجتي فلم أرَ أثراً للإجابة ، فهل يسوغ لي أن أتوسّل بغيرك وأنت إمامي ، ومَنْ له حق الطاعة عليّ في عنقي ؟!

ثمّ قلت : فإنّي لا أسمح لنفسي أن أتوسّل إلى الله سبحانه وتعالى بأحد سواك حتّى لو كان وجيهاً عند الله مثل باب الحوائج أبي الفضل العبّاس  .

ثمّ قال : وهنا غلبني الحزن والبكاء وانكسار القلب والخاطر ، وبينما أنا كذلك إذ سمعت مَنْ يقول لي : لا بأس عليك بالتوسّل إلى الله تعالى بعمّنا أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، ونحن ندلّك على ما تقوله عند التوسّل إلى الله تعالى به ، فإذا كانت لك حاجة فتوسّل به إلى الله تعالى بهذه العبارة وقل : يا أبا الغوث أغثني .

باب الحوائج ما دعته مروعة                              في حاجة إلاّ ويقضي حاجها

لذلك يعتبر عتاب قاسي و حار حين يناشده السيد جعفر الحلي :

أو تشتكي العطش الفواطم عنده                             وبصدر صعدته الفرات المفعم



من كان في رحله امرأة

16 نوفمبر 2014
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

من كان في رحله امرأة

لقد وقف مع الحسين (ع) كوكبة من الصحابة والتابعين، فكتب الله لهم الشهادة، حيث أصروا على الشهادة والدفاع عن الحسين وأهل بيته، وقد اجتمع الإمام عليه السلام يوم التاسع من المحرم، وبين لهم أبعاد حركته ونهضته الرسالية، وخطب فيهم قائلا: (ألا ومن كان في رحله امرأة، فلينصرف بها إلى بني أسد). فقام علي بن مظاهر (أخو حبيب) وقال: ولماذا ياسيدي؟ فقال عليه السلام: (إن نسائي تسبى بعد قتلي، وأخاف على نسائكم من السبي). فمضى علي بن مظاهر إلى خيمته، فقامت زوجته إجلالا له، واستقبلته وتبسمت في وجهه، فقال لها دعيني والتبسم. فقالت: يابن مظاهر، إني سمعت غريب فاطمة خطب فيكم، وسمعت في آخرها همهمة ودمدمة، فما علمت مايقول. فقال لها: ياهذه، إن الحسين (ع) قال لنا: (ألا ومن كان في رحله امرأة، فلينصرف بها إلى بني أسد)؛ لأنه غدا يقتل وتسبى نساؤه. فقالت: وما أنت صانع؟ قال: قومي حتى ألحقك ببني عمك بني أسد.  فقامت وضربت رأسها في عمود الخيمة وقالت: والله ما أنصفتني يابن مظاهر، هل رأيتني لم أحسن إليك يوما؟ قال: لا. فقالت: لماذا إذن تذهب إلى الجنة وترجعني إلى النار؟ أيسرك أن تسلب زينب إزارها وخمارها من رأسها وأنا أستتر بإزاري وخماري؟ أيسرك أن تذهب من بنات الزهراء أقراطها وأنا أتزين بقرطي؟ أيسرك أن يبيض وجهك عند رسول الله (ص) ويسود وجهي عند فاطمة الزهراء (ع)؟ والله أنتم تواسون الرجال ونحن نواسي النساء.
فرجع علي بن مظاهر إلى الحسين (ع) وهو يبكي. فقال له الحسين عليه السلام: (مايبكيك؟) فقال: سيدي أبت الأسدية إلا مواساتكم. فبكى الإمام الحسين عليه السلام وقال: (جزيتم عنا خيرا).



كيف نكون كاظميين

14 نوفمبر 2014
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

كيف نكون كاظميين

بسم الله الرحمن الرحيم .. اللهم صلِّ على محمدٍ و آلِ محمدٍ و عجّل فرجهم الشريف ..

يا رسول الله عون .. يا أمير المؤمنين مدد .. يا سيدة النساء توفيق .. يا أبا محمد الحسن جود .. يا أبا عبدالله الحسين نظر .. يا أبا صالح المهدي أغثني .. يا سادتي تسديد .. يا باب الحوائج ..

اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَاَهْلِ بَيْتِهِ، وَصَلِّ عَلى مُوسَى بْنِ جَعْفَر وَصِيِّ الاَْبْرارِ، وَاِمامِ الاَْخْيارِ، وَعَيْبَةِ الاَْنْوارِ، وَوارِثِ السَّكِينَةِ وَالْوَقارِ وَالْحِكَمِ وَالاْثارِ الَّذي كانَ يُحْيِي اللَّيْلَ بِالسَّهَرِ اِلَى السَّحَرِ بِمُواصَلَةِ الاْسْتِغْفارِ، حَليفِ السَّجْدَةِ الطَّويلَةِ، وَالدُّمُوعِ الْغَزيرَةِ، وَالْمُناجاةِ الْكَثيرَةِ، وَالضَّراعاتِ الْمُتَّصِلَةِ، وَمَقَرِّ النُّهى وَالْعَدْلِ وَالْخَيْرِ وَالْفَضْلِ وَالنَّدى وَالْبَذْلِ، وَمَألَفِ الْبَلْوى وَالصَّبْرِ، وَالْمُضْطَهَدِ بِالظُّلْمِ، وَالْمَقْبُورِ بِالْجَوْرِ، وَالْمُعَذَّبِ في قَعْرِ السُّجُونِ، وَظُلَمِ الْمَطاميرِ ذِي السّاقِ الْمَرْضُوضِ بِحَلَقِ الْقُيُودِ، وَالْجِنازَةِ الْمُنادى عَلَيْها بِذُلِّ الاِْسْتِخْفافِ، وَالْوارِدِ عَلى جَدِّهِ الْمُصْطَفى وَاَبيهِ الْمُرْتَضى وَاُمِّهِ سَيِّدَةِ النِّساءِ بِإرْث مَغْصُوب وَوَلاء مَسْلُوب وَاَمْر مَغْلُوب وَدَم مَطْلُوب وَسَمٍّ مَشْرُوب، 

عـلى  الكاظم  أنوح بليل و نهار
و  أصب  الدمع شبه السيل  ونهار
جـسم  باب الحوايج ذاب  ونهار
مـسـجون  و جرع جاس  المنية

 وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـمُوسَى (17) قَالَ هِىَ عصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَئَارِبُ أُخْرَىْ

أحب الأمور للمحب أن يناجي حبيبه .. فكيف إذا كان الحبيب هو واهب الوجود .. هي محادثة ربانية خاصة .. و وسام فضل و شرف اختص الله به نبيه الكريم لتضاف لبقية الأوسمة التي جعلها الله لكليمه موسى .. هذا اللسان المبارك الذي حظي بهذه المنزلة كان له من العظمة والقداسة التي جعلته يحتج به حتى عند ملك الموت .. فكل ما يتصل بالعظيم يقتبس منه الرفعة والعظمة .. في رواية عن صادق الآل  :  إنه لما أتاه أجله و استوفى مدته و انقطع أكله أتاه ملك الموت فقال له السلام عليك يا كليم الله فقال موسى و عليك السلام من أنت قال أنا ملك الموت قال ما الذي جاء بك قال جئت لأقبض روحك فقال له موسى ع من أين تقبض روحي قال من فمك قال له موسى ع كيف و قد كلمت ربي جل جلاله قال فمن يديك قال كيف و قد حملت بهما التوراة قال فمن رجليك قال كيف و قد وطئت بهما طور سيناء قال فمن عينيك قال كيف و لم تزل إلى ربي بالرجاء ممدودة قال فمن أذنيك قال و كيف و قد سمعت بهما كلام ربي جل و عز قال فأوحى الله تبارك و تعالى إلى ملك الموت لا تقبض روحه حتى يكون هو الذي يريد ذلك .

 وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـمُوسَى

دعونا نتأمل هذه المحادثة التي كانت سرا و لكن الله اطلعنا عليه ببركات الحبيب محمد ..

سؤال بسيط ولكنه مليء باللطف والمحبة .. كان من الممكن أن يكون السؤال : و ما تلك بيمينك ؟ لكن زيادة في التلطف و التقرب يناديه يا موسى .. و من المعلوم أن المحب يحب أن يسمع اسمَه يجري على لسان محبوبه .

فأجاب موسى:  قَالَ هِىَ عصايَ  ولما كان راغباً في أن يستمر في حديثه مع محبوبه ، لم يكتفي بقول :  قَالَ هِىَ عصايَ  مع أن السؤال كان عن هوية الشيء الذي بيمينه .. لم يسأله الله عن ما يصنع بها أو في ماذا يستخدمها فقط قال : ما تلك بيمينك .. فلماذا يأتي موسى بكل تلك التفصيلات .. يقولون : أراد أن يطيل مدة الحديث مع محبوبه الأقدس فأضاف:  أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِى  أي أضرب بها على أغصان الشجر فتتساقط اوراقها لتأكلها الاغنام  وَلِىَ فِيهَا مَئَارِبُ أُخْرَىْ  وأيضا هنا رغبة و شوق في مواصلة الحديث و إطالته أكثر و أكثر.. نفس هذه الجملة كأنها تنطق و تقول يارب اسألني أكثر و أكثر فلي أنس لا يُوصف بحديثك ..  وَلِىَ فِيهَا مَئَارِبُ أُخْرَىْ  فمن المتوقع أن يأتي السؤال ماهي المآرب الأخرى فيكون له الأنس بلذة الحديث مع المحبوب .

أما ما تلك المآرب التي عناها موسى ؟؟ فالقول فيها يطول .. فقذ ذكروا لها من العجائب ما مفاده أنها كانت تغنيه عن كل شيء ..

حتى  قالوا فيها :

  • كان لعصا موسى شعبتان ، تضيئان له مد البصر ليلا .
  • وكان إذا أحتاج الماء أدلاها في البئر ، فجعلت تمتد إلى مقدار قعر البئر ، وتصير في رأسها شبه الدلو يستقي . وكان ( عليه السلام ) يشرب أحيانا من إحدى الشعبتين اللبن ومن الآخر العسل
  • وإذا احتاج إلى الطعام ضرب الأرض بعصاه ، فيخرج ما يؤكل منه .
  • وكان إذا اشتهى فاكهة من الفواكه غرزها في الأرض فتغصنت اغصان تلك الشجرة التي اشتهى موسى فاكهتها ، وأثمرت له من ساعتها .
  • وإذا احتاج موسى إلى الطيب فاح منها الطيب حتى يتطيب ثوبه .
  • وكان يضرب على الجبل الصعب الوعر المرتقى فينفرج ، وإذا أراد عبور نهر من الأنهار بلا سفينة ضربها عليه فانفلق .
  • وكانت تدله على الطريق وإذا كان في طريق فيه لصوص تكلمه العصا وتقول له خذ جانب كذا .

أي عظمة أوتي هذا النبي حتى صار كليم الله و حتى أوتي هذه العصا العجيبة التي تلبي له كل مطالبه .. لكن مع كل ما ذكرناه من فضل و عظمة لهذا النبي .. أنظروا بأبصار قلوبكم لروعة هذه الرواية و تأملوها فإنكم ستجدون ما يسركم : عن ال(صلى الله عليه وآله وسلم) من التمكين والفضل , فقال موسى: ربي اجعلني قائم آل محمد ,فقيل له : ان ذاك من ذرية احمد ثم نظر في السفر الثاني فوجد فيه مثل ذلك , فقال مثله فقيل له مثل ذلك ثم نظر في السفر الثالث فرأى مثله فقال مثله ).

  • يقول المرجع العارف آية الله الوحيد الخراساني معلقاً على الرواية : فمع أن موسى أحد أنبياء أولي العزم وكليم الله تعالى  وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً  والمبعوث بالآيات التسعة  ولقد آتينا موسى تسع آياتٍ بينات  ومن ناداه الله تعالى وقربه لمناجاته  وَنـَدَيْنـاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنـاهُ نَجِيّاً  فأي مقام ومنزلة رآه في المهدي حتى تمناه ثلاث مرات . إن تمني موسى بن عمران لأن يبلغ منزلة المهدي لا يحتاج إلى الإثبات برواية أو حديث فإن إمامة المهدي لنبي من أولي العزم كعيسى بن مريم تكفي لأن يتمنى موسى مقامه .

إذا كان عيسى يصلي خلف الإمام فلاشك أن الإمام أفضل من عيسى لأنه لا يصح أن يتقدم المفضول على الفاضل ..

إذاً ذلك الفضل لنبي الله موسى و تلك العظمة لا تساوي شيء و لا تكاد تُذكر إن قيست بفضل مولانا .. بل أن ما حبي به من العصا هو مذخور لولي الامر  .. عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : كانت عصا موسى قضيب آس من غرس الجنة ، أتاه بها جبرائيل لما توجه تلقاء مدين ، وهي وتابوت آدم في بحيرة طبرية ولن يبليا ، ولن يتغيرا حتى يخرجهما القائم ( عليه السلام ) إذا قام .

و إذا كان إمام زماننا هو صاحب هذا الفضل العظيم .. فهل لنا من ذلك الفضل شيء ؟؟

يجيبنا الإمام الكاظم عن ذلك فيقول : طوبى لشيعتنا ، المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا ، الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا ، أولئك منا ونحن منهم ، قد رضوا بنا أئمة ، ورضينا بهم شيعة ، فطوبى لهم ، ثم طوبى لهم ، وهم والله معنا في درجاتنا يوم القيامة » .

بلغ من الفضل أن يكرر الإمام الجملة ثلاث مرات .. طوبى لشيعتنا .. فطوبى لهم ثم طوبى لهم .. و أيضا يعضد هذا التأكيد بالقسم الذي هو من أقوى المؤكدات .. وهم والله معنا في درجاتنا يوم القيامة ..

هذا الفضل لم يكون لكل من كان في زمن الغيبة .. هذا الفضل خاص بمن يتمتعون بالمواصفات التي ذكرها الإمام :

المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا ، الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا ..

و يالها من مواصفات و شرائط صعبة .. في هذه المطالب الثلاث تتلخص وظيفتنا في زمان غيبة إمام زماننا .. حين يقول المتمسكين بحبلنا .. يشير إلى صعوبة هذه المرحلة الحرجة .. كيف ؟؟ حين يسير الإنسان في طريق مظلم موحش و فيه وحل يسهل الانزلاق فيه فهو يحتاج لأن يمسك بشيء لئلا ينزلق .. يقول أنتم مثل ذلك السائر في آخر الزمان المزالق كثيرة و شديدة و مهلكة .. ومن يقع في مزلق قد لا يستطيع القيام منه .. لذلك أنتم بحاجة إلى أن تمسكوا بأيديكم ما يحفظكم من هذا الانزلاق دائماً .. أنتم بحاجة إلى حبل متين و قوي .. هذا الحبل هو حبلنا .. فاقبضوا عليه بشدة و لا تخففوا من شدة القبض فتهلكوا ..

ما حجم تلك المزالق و البلاءات و الفتن التي ستواجهنا .. دعونا نتعرف عليها من لسان صاحب هذه الليلة وهذه حقيقة من لطف سادتي علينا أن عرفونا بالأخطار التي سنواجهها لأن الانسان الذي يسير في مكان مظلم و موحش و موحل كما مثلنا سابقا وهو يعلم أن هناك حفرة أمامه في الطريق فإنه سوف يسير على حذر و يراقب خطواته بعكس الذي يسير و هو لا يعلم بأمر تلك الحفرة فإنه بالتأكيد سيقع فيها لأنه لم يكن في أمره على حذر .. هذا هو حالنا مع آخر الزمان و فتنه نحتاج إلى من يعرّفنا بخارطة الطريق لننجو من حفره .. لذلك أهل البيت أوضحوا لنا كل ما سيواجهنا في طريق آخر الزمان .. لنكون منها على حذر و ترقب ..

يقول عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام : ” إذا فُقد الخامس من ولد السابع – يقصد من ولدي ، أنا السابع فالمقصود هو الخامس من أولادي- فالله الله في أديانكم لا يزيلنكم أحد عنها. يا بني ، انه لا بدّ لصاحب هذا الأمر من غيبة حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به ، إنما هي محنة من الله عزّ وجلّ امتحن بها خلقه ، ولو علم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصحّ من هذه لاتبعوه » .

” حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به ” .. كلمة خطيرة و منزلق صعب .. من الذي يقول بأن هناك إمام و غائب .. أليس هم الشيعة .. يقول في الغيبة سوف يرجع أكثر الشيعة و سوف يضلون الطريق ..

يا مولاي يا أبا الحسن إمامنا في سجن الغيبة كما كنت و أنت تقول أننا في محنة شديدة و صعبة فكيف نثبت ونحن في زمان أشبه ما يكون بزمانك .. زماننا شبيه بزمان الإمام الكاظم فعلينا أن نستمع لما علم به أصحابه و أدبهم به لنكون موسويات في انتظار إمام زماننا ..

أما عن شبه زماننا بزمانه سلام الله عليها فمن وجوه عدة :

  • الشيعة في عهد الإمام الكاظم كانوا يتعاملون مع إمام غائب و إن كانوا يعلمون مكانه أنه في سجن هارون أو السندي وغيره ، لكنه غائب عنهم غير متصل بهم لا يعيش بينهم لا يستطيع أن يوصل لهم توجيهاته و أوامره و يدلهم على الطريق .. و كذلك نحن إمامنا غائب لكن الفرق بيننا و بينهم أننا لا نعرف مكانه .. لكنه و إن كان غائب فهو الغائب الذي لم يخلو منا ..
  • في عهد الإمام الكاظم و لشدة ملاحقة السلطة كان الرواة من خلص أصحابه لا يسندون الحديث إليه بصريح اسمه حفظاً له وتقية من الظلم المسلط في ذلك العهد ، بل يكنون عنه بالعبد الصالح والعالم والسيد والرجل والماضي ، تعمية على رجال السلطة .. و كذلك نحن أمرنا في زمان الغيبة بعدم التصريح بالاسم الصريح لمولانا الحجة ..

إذا كان الأمر كذلك فكيف نكون موسويات ؟؟ ..

مثل ما ذكرنا .. الإمام يقول لتكونوا موسويات .. و لتنجحوا في اختبار الغيبة هناك شروط و خصائص حققوها في ذواتكم .. ” طوبى لشيعتنا ، المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا ، الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا ، أولئك منا ونحن منهم ، قد رضوا بنا أئمة ، ورضينا بهم شيعة ” ” قد رضوا بنا أئمة ، ورضينا بهم شيعة ” .. لا يأخذنكم الشك والتردد في صحة ما أنتم عليه

” إذا فُقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم لا يزيلنكم أحد عنها ” ، تيقنوا انكم على الحق و اثبتوا .. أهم مافي الأمر الثبات على العقيدة الحق و ولاء أهل البيت .. ” ولو علم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصحّ من هذه لاتبعوه ” .. أنتم الآن في زمن غيبة الإمام أباؤكم و أجدادكم الذيم كانوا قريبين من زمن النص و المعصوم تتبعوا و بحثوا و تحروا فلم يجدوا طريقا أصح من هذا الطريق.. إذاً الآن ما وظيفتكم أن تبحثوا من جديد ؟؟ أن تشكوا في كل العقائد الحقة ؟؟ أن تضربوا بعرض الحائط كل المبادئ .. أن تخطئوا المراجع و تعتقدوا أنكم فقط أنتم على الحق و كل الناس على باطل ؟؟ .. لا ، يقول اثبتوا على هذا الدين الحق .. ” قد رضوا بنا أئمة ، ورضينا بهم شيعة ” .. كيف يكون الثبات على هذا الدين الحق .. مولاي كيف لنا بالثبات ..

يقول : عليكم بالاعتصام بالله وحده ودعائه .. هذا الأدب الذي أدبنا به مولانا الكاظم عليه السلام .. فقد قيل له عليه ‌السلام وهو في الحبس : « لو كتبت إلى فلان يكلم فيك الرشيد ؟ فقال : حدثني أبي عن آبائه : أن الله عزوجل أوحى إلى داود : يا داود ، إنه ما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي دوني… إلاّ وقطعت عنه أسباب السماء ، وأسخت الأرض من تحته » (٢).

” قد رضوا بنا أئمة ، ورضينا بهم شيعة ” .. هذا المقام العالي كيف يمكننا الوصول له .. يقول ادعوا و اكثروا من الدعاء فمن أكثر طرق الباب يوشك ان يفتح له .. لذلك من النافع جدا التمسك بهذا الدعاء بعد الفرائض .. للوصول لمقام الرضا بأهل البيت أئمة والثبات على ولايتهم ..

يقول ( عليه السلام ) : إذا انصرفت من صلاة مكتوبة فقل : ” رضيت بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبالقرآن كتابا ، وبمحمد ( صلى الله عليه وآله ) نبيا ، وبعلي وليا ، والحسن والحسين ، وعلي بن الحسين ، ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، وموسى بن جعفر ، وعلي بن موسى ، ومحمد بن علي ، وعلي بن محمد ، والحسن بن علي ،  والحجة بن الحسن بن علي ( عليهم السلام ) أئمة . اللهم وليك الحجة فاحفظه من بين يديه ، ومن خلفه ، وعن يمينه ، وعن شماله ، ومن فوقه ، ومن تحته ، وامدد له في عمره واجعله القائم بأمرك المتنصر لدينك ، وأره ما يحب وتقر به عينه في نفسه ، وفي ذريته ، وأهله ، وماله وفي شيعته ، وفي عدوه ، وأرهم منه ما يحذرون ، وأره فيهم ما يحب  وتقر به عينه ، واشف به صدورنا ، وصدور قوم مؤمنين ” .

.. أهل البيت علمونا دعاء و أسموه دعاء الغريق .. يقول أنتم في زمن الغيبة سيكون حالكم كحال الغريق الذي يحتاج لأن يتمسك بخشبة في وسط البحر لتوصله للبر فينجو و إلا ستكون نهايته الغرق.. يقول أبو الكاظم الصادق ( عليه السلام ) ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى ولا إمام هدى ، ولا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق . قلت : كيف دعاء الغريق ؟ قال : يقول يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، فقلت : ” يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك ” قال : إن الله عزوجل مقلب القلوب والأبصار ولكن قل كما أقول لك ، يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك . و من هنا علينا التنبه للرسائل التي ترد لنا و فيها أدعية لا نعلم بمصدرها .. الإمام لايسمح حتى بتغيير الدعاء بإضافة لفظة فكيف ندعو بالأدعية المخترعة التي ما أنزل الله بها من سلطان .

هذا فيما يكون بيني و بين الله ..

فكيف نكون موسويات فيما بيننا وبين الناس .. ما هو أدب التعامل الذي يأدبنا به الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام .. لندع القلوب تستمع لهذه الرواية لنعلم كيف نكون موسويات فيما بيننا و بين الناس ..

عن إبراهيم بن هاشم ، قال : « رأيتُ عبد الله بن جندب بالموقف ، فلم أر موقفاً أحسن من موقفه ، ما زال مادّاً يديه إلى السماء ودموعه تسيل على خدّيه حتّى تبلغ الأرض ، – من شدة توجهه و إلحاحه في الدعاء و الطلب يقول كان يبكي بكاءً شديدا بحيث أن دموعه المنهمرة تجري بغزارة فلا تصل لخده فقط بل تصل للأرض –  فلمّا صدر الناس قلت له : يا أبا محمّد ، ما رأيتُ موقفاً أحسن من موقفك. قال : والله ما دعوت إلاّ لإخواني ، وذلك أنّ أبا الحسن موسى بن جعفر عليه ‌السلام أخبرني أنّه من دعا لأخيه بظهر الغيب نُودي من العرش : ولك مائة ألف ضعف ، فكرهت أن أدع مائة ألف ضعف مضمونة لواحدة لا أدري تستجاب أم لا »

هذا هو أجلى مصاديق الأخوة .. هذا هو اجتماع القلوب الذي أمرنا به .. ورد في توقيع الناحية المقدسة : ” ولو ان اشياعنا وفقهم الله لطاعته ، على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا ” لو أنهم كانوا كأتباع موسى با جعفر و خواص أصحابه من اجتماع القلوب و عدم تفرقها بالحسد و الحقد و الضغينة لما طالت الغيبة ” و لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا ” .. إذا مالذي يحبس إمام زماننا عنا .. الإمام يجيب في توقيعه : فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكرهه ولا نؤثره منهم والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل . فإن من أسباب طول غيبة الإمام – عليه وعلى آبائه التحية والسلام – ما يراه من آثام الأنام فلابد من الاتفاق على التوبة الواقعية ورد الحقوق إلى أصحابها و لابد من الاتفاق و اجتماع القلوب على النصرة و عدم تفرقها ..

قلوبنا المظلمة بحجب الغفلة و الظلم تحتاج لموعظة منك فعظنا لنصل لمقام التوبة و نكون كما يريد إمام زماننا ..  ورد أن  كتب هارون الرشيد إلى أبي الحسن موسى بن جعفر عليه ‌السلام : عِظني وأوجز.

نحن نحتاج إلى استماع هذه الموعظة التي وجهها الإمام الكاظم لهارون لأننا و العياذ بالله قد نشبه هارون .. هارون حبس الإمام الكاظم و حرم الناس من فيضه و نحن حبسنا بذنوبنا إمام زماننا و لذلك حُرمنا من فيضه .. هارون ظالم لنفسه و للناس .. ونحن لا نخلو من ظلم لأنفسنا و حقوق للناس في أعناقنا .. فماهي موعظة إمامنا الكاظم لهارون ..

قال : فكتب إليه : ما من شيءٍ تراه عينك إلاّ وفيه موعظةٌ » .

كل حدث ، كل شيء يقع عليه بصرك، كل قدر يمر عليك ،  كل حركة ترصدها عيناك .. اعلم أن الله ساقها لك و لو كانت أبصار القلب مفتحة و واعية لأمكن الانسان أن يعرف أنها رسالة تنبيهية له من الله و يتعظ بها ..

 هكذا يجب أن نكون فيما بيننا وبين أنفسنا .. لنكون موسويات في انتظار الغائب الذي يصفه المولى باب الحوائج عليه السلام بقوله : ” هو الطريد الوحيد الغريب الغائب عن أهله ، الموتور بأبيه عليه‌ السلام ».

سيدي يا أبا الحسن هل هذا وصف إمام زماننا أم وصفك .. أنت أيضا طريد عن مدينة جدك ، وحيد في طامورتك ، غريب عن وطنك ، و غائب عن أهلك ..

وكيف يكون حال الأهل في غياب واليهم و حاميهم .. حالهم كحال زينب ليلة الحادي عشر .. حال الخوف و عدم الأمان .. لذلك يقول أحد خدمة الامام موسى الكاظم عليه‏ السلام : أن أبو ابراهيم عليه‏ السلام أمر ـ حين أخرج به ـ أبا الحسن أن ينام على بابه في كلّ ليلة أبدا ما كان حيّا إلى أن يأتيه خبره .

        قال : فكنّا في كلّ ليلة نفرش لأبي الحسن عليه‏ السلام في الدهليز – والدِّهْلِيز، بالكسر: ما بين الباب والدار – ، ثمّ يأتي بعد العشاء فينام فإذا أصبح انصرف إلى منزله ، قال : فمكث على هذه الحال أربع سنين ، فلمّا كان ليلة من الليالي أبطأ عنّا وفُرش له ، فلم يأت كما كان يأتي فاستوحش العيال وذعروا ودَخَلَنا أمرٌ عظيم من إبطائه .

كان البيت الموسوي يأنس بوجود أبي الحسن الرضا و يأمنون و ينام الطفل قرير الأعين .. فحين غاب عنهم ليلة توجسوا خيفة وارتاعوا و ذعروا ..

        فلمّا كان من الغد أتى الدار ودخل إلى العيال وقصد إلى أمّ أحمد ، فقال لها : هاتِ التي أودعك أبي ، فصرخت ولطمت وجهها وشقّت جيبها وقالت : مات واللّه‏ يا سيدي ، فكفّها وقال لها : لا تكلّمي بشيء ولا تظهريه حتى يجيء الخبر إلى الوالي .

        فأخرجت إليه سفطا وألفي دينار أو أربعة الاف دينار ، فدفعت ذلك أجمع إليه دون غيره ، وقالت : انّه قال لي فيما بيني وبينه ـ وكانت أثيرة عنده ـ : « احتفظي بهذه الوديعة عندك لا تطلعي عليها أحدا حتى أموت ، فاذا مضيت فمن أتاك من ولدي فطلبها منك فادفعيها اليه واعلمي انّي قد متّ » وقد جاءتني واللّه‏ علامة سيدي .

        فقبض عليه‏ السلام ذلك منها وأمرهم بالإمساك جميعا إلى أن ورد الخبر وانصرف

(ثم أقام الامام الرضا عليه ‏السلام واهل بيته مأتما لموسى بن جعفر عليه ‏السلام ) . عياله حرموا حتى من الصرخة عليه وإظهار التفجع و البكاء و الحسرة عليه .. فلهفي له و لهم إذ أشبه جسده جسد الحسين حين ألقي على الجسر و نساؤه أشبهن نساء الحسين في منعهن من البكاء ..



مقامات الزهراء عليها السلام

12 نوفمبر 2014
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

مقامات الزهراء عليها السلام

بسم الله الرحمن الرحيم .. اللهم صلِّ على محمد و آل محمد و عجّل فرجهم الشريف ..

  يا رسول الله عون .. يا أمير المؤمنين مدد .. يا سيدة النساء توفيق .. يا أبا محمد الحسن جود .. يا أبا عبدالله الحسين نظر ..

يا أبا صالح المهدي أغثني .. يا سادتي تسديد ..

                         .

هي امرأةٌ استثنائيةٌ في كل شيء .. يأتيها الطلق فتذهب للصحراء بدلَ أن تلتجأ لمن يعينُها في أمر ولادتها ، تنقطع لله فهذا الذي تحمله بين أحشائها من الله وإلى الله ،       ، أما في المكان فهو غير مناسب أبداً للولادة : لا ماء للشرب ، لا طعام ، لا مهدٌ مهيأ لحفظ المولود ، لا مكان معد للاستراحة.

وتمد يدها لجذع نخلة ومن لطافة التعبير القرآني هو التعبير بجذع النخلة، ولأن الجذع يعني بدن الشجرة، فبذلك يعرف بأنّه لم يبق من تلك الشجرة إِلاّ جذعُها وبدنُها، أي إِنّ الشجرة كانت يابسة. لكنها تمد يدُها لتهزَها فترتجي منها تمراً .. وكانت لها كرامةُ الله .. و إضافةً لكونه مكاناً غير مهيأ للولادة فهو قصي .. أما أين ذلك المكان القصي فقد تعددت الأقوال و تباينت :

القول الأول : أنه وُلد في بيت لحم : ويعاضد ذلك ما ورد على لسان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله في صفة المعراج و أن جبرئيل أنزله في مكان فصلى ثم قَالَ له : صَلَّيْتَ فِي بَيْتِ لَحْمٍ ، وَ بَيْتُ لَحْمٍ بِنَاحِيَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ( عليه السلام ) .

القول الثاني : أن مريم ( عليها السلام ) وضعت عيسى ( عليه السلام ) في كربلاء في موضع قبر الحسين ( عليه السلام ) ، فقد رُوِيَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ( عليه السلام ) فِي قَوْلِهِ : { فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا } ، قَالَ : ” خَرَجَتْ مِنْ دِمَشْقَ حَتَّى أَتَتْ كَرْبَلَاءَ ، فَوَضَعَتْهُ فِي مَوْضِعِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ ( عليه السلام ) ، ثُمَّ رَجَعَتْ مِنْ لَيْلَتِهَا ”   .

القول الثالث : أن موضع ولادة المسيح بن مريم ( عليه السلام ) هو على صخرة بيضاء في أرض بَراثا أي موضع مسجد براثا الحالي  : رَوَى الْمُفِيدُ بأسناده عَنْ الإمام عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ( عليه السلام ) حديثاً مفصلاً جاء فيه : أن أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ( عليه السلام ) لَمَّا رَجَعَ مِنْ وَقْعَةِ الْخَوَارِجِ اجْتَازَ بِالزَّوْرَاءِ ، فَلَمَّا أَتَى يَمْنَةَ السَّوَادِ إِذَا هُوَ بِرَاهِبٍ فِي صَوْمَعَةٍ لَهُ ـ فجرى بينهما حديث ، الى أن قال ـ فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ … : إِنِّي وَجَدْتُ فِي الْإِنْجِيلِ نَعْتَكَ وَ أَنَّكَ تَنْزِلُ أَرْضَ بَرَاثَا بَيْتَ مَرْيَمَ وَ أَرْضَ عِيسَى ( عليه السلام ) فَأَتَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ( عليه السلام ) مَوْضِعاً فَلَكَزَهُ بِرِجْلِهِ فَانْبَجَسَتْ عَيْنٌ خَرَّارَةٌ . فَقَالَ : ” هَذِهِ عَيْنُ مَرْيَمَ الَّتِي أُنْبِعَتْ لَهَا ” . ثُمَّ قَالَ : ” اكْشِفُوا هَاهُنَا عَلَى سَبْعَةَ عَشَرَ ذِرَاعاً ” . فَكُشِفَ فَإِذَا بِصَخْرَةٍ بَيْضَاءَ . فَقَالَ ( عليه السلام ) : ” عَلَى هَذِهِ وَضَعَتْ مَرْيَمُ عِيسَى ( عليها السلام ) مِنْ عَاتِقِهَا ، وَ صَلَّتْ هَاهُنَا ” . ثُمَّ قَالَ : ” أَرْضُ بَرَاثَا هَذِهِ بَيْتُ مَرْيَمَ ( عليها السلام ) ” . و الله العالم بحقيقة الأمر .

وأيا كان المكان الذي وُلد فيه فإن هذا النبي العظيم قد ارتبط اسمُه بآل بيت المصطفى صلى الله عليه وآله ارتباطاً وثيقاً منذ ولادته ، فالقول الذي يقول بولادته في كربلاء يدلنا على ذلك ، و كيف أن أمه – إن صح هذا القول – تذهب لتأتي أرض كربلاء فقط ليُولد هذا المولود المبارك في موضع الكرامة الحسينية ، لنفهم بعد ذلك لم كان هو المختار لنصرة مولانا الحجة بن الحسن روحي فداه ومن يرفع للسماء ليُدخر لأيام الله التي يُطلب فيها بثأر ذبيح الله فهو من الحسين وإلى الحسين .

و بهذا النبي أيضا ظهرت كرامات و كرامات لأهل بيت العصمة و الطهارة منها ما ذكرناه من أمر الراهب و أمير المؤمنين عليه السلام ، ومنها حادثة المباهلة الشريفة و التي كان سببها مجادلة نصارى نجران للنبي الخاتم حول ولادة المسيح فإذا بهذا السؤال يكون سبباً لحادثة كبرى ظهر منها ما ظهر من فضل الأرواح النورانية لآل البيت و جلالتها عند الله ، وهذه الحادثة كم تحوي من إشارات عميقة و دلالات لا يصل لها إلا من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، ومنها ما يذكره الزمخشري قولاً و لا يعيه قلبه – وإلا لو وعاه لأصبح من أكثر الموالين يقيناً – لكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه ، يقول : ( و فيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام ) ، نشير لهذا الفضل في نكتتين لطيفتين :

  •                               يقول : أن القرآن قدمهم : أي (الأبناء و النساء) في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم ، و ليؤذنَ بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها . مامعنى هذا الكلام .. أستاذ الحوزة العلمية المرجع الوحيد الخراساني يقف على قول الزمخشري متعجبا فيقول : يقول : حقاً إنها لكلمة عجيبة سطرها قلمُ مثلِ هذا الفنان ، و عندما يقول الزمخشريوليس أنا من يقولبأن هذا القرآن حينما قدم ذكر أبنائنا و نسائنا على أنفسنا ( التي تلتهم في الذكر ) فإن هذا يعني أن روح و نفس الحسن و الحسين و فاطمة الزهراء عليهم السلام مقدمة على روح رسول الله ونفسِه و أن هذا الفعل منه صلى الله عليه وآله وسلم يعني أنه يفديهم بنفسه . كيف لأنه لو فرضنا بعدم صدق الدعوى فإن العذاب سيقع على من تقدم أولا – وهو المصطفى روحي فداه – وسيصل إليه قبل أن يصل لمن تأخر وهي فاطمة التي يقع ترتيبها خلفه .
  • المقام الآخر و النكتة الأخرى يذكرها أستاذ الحوزة العلمية المرجع الوحيد الخراساني بقوله : كان رسول الله حين خرج على تلك الهيئة – والتي كانت كما تعلمون : خرج و عليه مرط من شعر أسود ، و كان قد احتضن الحسين و أخذ بيد الحسن و فاطمة تمشي خلفه و علي خلفهما – التفت إليهم ( إلى الزهراء و الأمير وابنيهما ) و قال : إذا دعوتُ فأمنوا ، دققوا في هذه العبارة ، لقد طلب منهم أن يقولوا آمين بعد دعائه ، ماذا يعني ذلك ( إن لهذا القول و الفعل من رسول الله معنىً ) وهو أن ما يقوم به النبي صلى الله عليه وآله هو انعكاس للوحي و تطبيق لآوامر السماء ، فعبارة : إذا دعوتُ فأمنوا تعني أن دعائي و أنا النبي الخاتم هو مجرد مقتضي و هناك شرط لفعلية هذا اقتضاء هذا المقتضي هو أنفاس فاطمة الزهراء عليها السلام و لابد ان تنضم آمينها إلى دعائي حتى تتحقق الإجابة . يقول : ما كان دعاء النبي ليتحقق حتى في مثل هذا الظرف الحساس أي حين مباهلة نصارى نجران إلا أن ترتفع إلى السماء أربع أيدي أخرى بالدعاء .

هذه الأيدي الطاهرة أتى عليها يوم أصبحت ترتعش من شدة الضعف و الجوع و التعب ، فشكر الله عملها فأنزل فيها سورة كاملة وهي سورة الانسان، وكما يقول العارفون إن لسورة الانسان خصوصية وهي : لخص الله سبحانه العالَم في آدم ( الانسان ) – أتزعم أنك جرم صغير و فيك انطوى العالم الأكبر، و فصّل آدم في صعوده و نزوله تفصيلاً في جميع أنحاء القرآن ، ثم عاد ليُلخّص الجميع في سورة الانسان ، لذلك سماها بالانسان .

في هذه السورة المباركة بعد أن طوى هؤلاء الأربعة ثلاث أيام خماصا و تصدقوا بأرغفتهم تقول الرواية : ( فلما أصبحوا – في اليوم الثالث – أخذ علي بيد الحسن و الحسين و أقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما أبصرهم و هم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع ) الرعشة اعتلت و أصابت قالع باب خيبر فوقف وابناه بين يدي الرسول وهو يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع ، تُرى أي مشهد و منظر كان ذاك الذي جعل رسول الله يقول : ( ما أشد ما يسوءني مما أرى بكم ). كم كانت القضية كبيرة و عظيمة بحيث أطلق رسول الله هذا التعبير عن تعجبه مستعملا صيغة أفعل التفضيل في الشدة فقال : ( ما أشد ما يسوءني مما أرى بكم ). وقام وانطلق معهم ، لماذا قام ؟

إذا كان هذا هو حال قالع باب خبير الرجل القوي علي ، فكيف سيكون حال امرأة وبطبيعة الحال المرأة أضعف قوة من الرجل ، لكم أن تتخيلوا امرأة انقطعت عن الطعام ثلاثة أيام بلياليها و هي مع ذلك تخبز الطعام و تقوم بأمور بيتها و عيالها وتؤدي فروض طاعتها لربها ؟ ماهو المتوقع : غير أن يكون الضعف قد نال منها و أخذ منها كل مأخذ حتى أرقدها و خلفها طريحة الفراش ؟؟

لكن الذي رآه الرسول صلى الله عليه وآله هو غير ذلك : تقول الرواية :( فرأى فاطمة في محرابها ).. رغم الضعف الذي ألم بها إلا أنها لم تفارق محرابها .. و بأي حال كانت : قد التصق ظهرها ببطنها .. و هل كان هذا فقط : كلا .. بل : و غارت عيناها ، فنزل جبريل ( يقول الاستاذ ) وهنا بيت القصيد – و الكلام لازال للمرجع الأستاذ ، كل ماأذكره من تأملات في الروايات هو من شرح المرجع الأستاذ  – ، و قال : خذها يا محمد هنّأك الله في أهل بيتك ، فأقرأه السورة ) .هنأك الله : تهنئة و تبريك للنبي على نجاحه في دوره الخاتم من خلال رعايته لذلك الغرس حتى أثمرت شجرة الوجود ، تعني أنك ربيت أسرة فعلت فعلاً و أنجزت عملاً كانت هذه صورته الظاهرية أما سريرته و باطنه فقد كان : إنما نطعمكم لوجه الله ..

فاطمة عند الجوع تقتات بالتسبيح و التهليل و التقديس ، هكذا كانت منذ خلقها ورد في الرواية الشريفة عن النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم : ( خلقها الله عز وجل من نوره قبل أن يخلق آدم إذ كانت الأرواح فلما خلق الله عز وجل آدم عُرضت على آدم. قيل يا نبي الله وأين كانت فاطمة قال: كانت في حقة تحت ساق العرش قالوا: يا نبي الله فما كان طعامها قال: التسبيح والتقديس والتهليل والتحميد).

الزهراء عليها السلام لم تكن امراة .. يقول الأستاذ الذي وصل لمراحل عالية من الفقاهة و الاجتهاد و المعرفة انظروا إلى اهل العلم والمعرفة ماذا يقولون عن فاطمة ، يقول : لو وصل الانسان إلى حد الفقاهة فسيرى حينها أن فاطمة الزهراء عليها السلام ليست امرأة بل لو أراد أن يعبر عنها فلا بد أن يكون تعبيره مركباُ من كلمتين لكي تستطيع تلك الكلمتان الحكاية عنها ، و تلك الكلمتان هما الأنسية و الحوراء . يقول في موضع آخر : الصديقة الكبرى موجود فوق أن يُعبر عنه و أن يوصف وأن أي عبارة مهما بلغت من الدقة ستكون قاصرة من جهة الموازنة مع الواقع و بيان الحقيقة .. حينئذ سيدرك و يفهم : ( إنما سُميت فاطمة لأن الخلق فطموا عن معرفتها ).

لذلك مثل هذا الموجود الرباني كان لابد للرسول أن يُعرف الناس به لأنهم قاصرون عن معرفتها ، لذلك تقول الرواية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج ذات يوم و قد أخذ بيد فاطمة عليها السلام وقال : ” من عرفها فقد عرفها ” ماذا يعني أن يخرج النبي ممسكاً بيد فاطمة فهذا الفعل الذي قام به النبي مع هذه المرأة هو نفس الفعل الذي قام به مع ذاك الرجل يوم الغدير ، ففي يوم الغدير قام بهذا الفعل مع الرجل الأوحدي في العالم فقد أمسك بيده وعرّفه للناس، و قام مرة أخرى بنفس الفعل مع الزهراء ( المرأة الأوحدية ) في العالم وقال : ” من عرفها فقد عرفها ” . أما من لم يعرفها فسوف أعرفها له . فكيف عرّفها النبي ؟

لقد عرفها بالتدريج مرتبة بعد مرتبة ، في المرتبة الأولى عرفها بقوله : بضعة مني ، وفي المرتبة الثانية قال : و هي قلبي الذي بين جنبي .

هذه هي فاطمة .. فاطمة هي القطب و المحور الذي به يبدأ الله تبارك و تعالى في حديث الكساء .. هم فاطمة وأبوها وبعلها و بنوها .

فمالذي فعلت فاطمة حتى أصبحت محورا ؟ و مالذي عملت حتى صارت قطباً ؟ و مالذي صنعت حتى غدت قلباً لقلب عالم الوجود ( قلبي الذي بين جنبي ) .؟ و مالذي قامت به حتى وصلت إلى ذلك المقام الذي قال فيه النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم : من صلى عليكِ غفر الله له وألحقه بي حيث كنتُ من الجنة ” .

فاطمة سر من أسرار الله ، قلب فاطمة كان سراً و ما كان في ذلك القلب كان سراً ، قدرها و مقامها كان سراً ، قبرها الذي اكتنف ذلك الجلد و العظم كان سرا ، حتى وقت وفاتها سراً ، حينما أصبحت كالخيال كان بدنها الملقى على خشبة المغتسل عبارة عن شبح فقط و لم يبق إلا نفس خافت و مقلة إنسان باهت ، مالسبب ؟؟ آلامها كانت سرا ، لوعتها كانت سرا ، فهي سر في سر ..

لذلك ينادي الأمير عليه السلام أخاه المصطفى صلى الله عليه وآله حين دفنها بقوله : (فأحفها السؤال و استخبرها الحال)، ألح عليها في السؤال ، اسألها كثيراً عما أصابها من هذه الأمة ( فكم كم غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً ) ، فقد أضمرت في قلبها الكثير من المصائب و لم تجد في الدنيا موضعاً لكي تتحدث بغصصها و يُعلم من هذا أنه كان في قلبها بعض المصائب التي لم تذكرها حتى لعلي عليه السلام .

فقط أقف معكم على بعض من الأذى النفسي الذي تعرضت له السيدة الزهراء عليها السلام .. لن أذكر تفاصيل ماجرى عليها من أذى جسدي من الضرب و الركل و الرفس الذي يُحرق الأجفان ،

 فقط موقف واحد وأسالكم الدعاء : هذا الموقف على لسان ابنها صادق آل محمد في مقام تعداد مصائب البضعة يقول لأحد أصحابه المقربين ويدعى المفضل بن عمر يقول في حديث طويل : وجمعهم الجزل والحطب على الباب لإحراق بيت أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وزينب وأمّ كلثوم وفضّة ، وإضرامهم النار على الباب ، وخروج فاطمة عليها السلام إليهم ، وخطابها لهم من وراء الباب – 

نفس خطاب هذه العفيفة للملعون يعتبر مصيبة ، هذه الخفرة ما كلمت أجنبي و لم ترها عين و إذا بها تضطر لمخاطبة الاجنبي المعاند و ليت الامر وقف عند ذلك الحد بل و تضطر لمدافعته بنفسها بابي هي و أمي –

وقولها : ويحك يا عمر ، ما هذه الجرأة على الله وعلى رسوله ؟ تريد أن نقطع نسله من الدنيا وتفنيه وتطفىء نور الله ؟ والله متمّ نوره ، وانتهاره لها ، وقوله : كفّي يا فاطمة ، فليس محمد حاضراً ، ولا الملائكة آتية بالأمر والنهي والزجر من عند الله ، وما عليّ إلا كأحدٍ من المسلمين ، فاختاري إن شئت خروجه لبيعة أبي بكر ، أو إحراقكم جميعاً . – يالوقاحة هذا الملعون ، من أنت حتى ترد على فاطمة قولها فضلاً عن أن تخاطبها بهكذا خطاب.

فقالت وهي باكية : اللهمّ إليك نشكو فقد نبيّك ورسولك وصفيّك ، وارتداد امّته علينا ، ومنعهم إيّانا حقّنا الذي جعلته لنا في كتابك المنزل على نبيك المرسل :

فقال لها عمر : دعي عنك يا فاطمة ، حمقات النساء ، فلم يكن الله ليجمع لكم النبوّة والخلافة . وأخذت النار في خشب الباب ، وإدخال قنفذ يده ( لعنه الله ) يروم فتح الباب ؛ وضرب عمر لها بالسوط على عضدها حتى صار كالدملج الأسود ؛ وركل الباب برجله ، حتى أصاب بطنها وهي حاملة بالمحسن لستّة أشهر ، وإسقاطها إيّاه ، وهجوم عمر وقنفذ وخالد بن الوليد ؛ وصفقه خدّها حتى بدا قرطاها تحت خمارها ، وهي تجهر بالبكاء ، وتقول : واأبتاه ، وارسول الله ابنتك فاطمة تكذّب ، وتضرب ، ويقتل جنين في بطنها.

وهذه المصيبة أيضاً ورثتها زينب من أمها لذلك تخاطب أخيها :

يا عباس صوتي الكان ما ينسمع سمعوه

وطولي الكان ما ينشاف شافوه

يا عباس خدري الكان ما ينداس داسوه

ضربوني وحيدر أبوي الفحل شتموه.



محاضرة الحوزة 1436هـ _الحسد_

10 نوفمبر 2014
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

محاضرة الحوزة 1436هـ _الحسد_

بسم الله الرحمن الرحيم

صلى الله وسلم عليك سيدي ومولاي يا رسول الله ..صلى الله وسلم عليك وعلى ابنك الغريب العطشان .. السلام عليك يا أبا عبدالله وعلى أختك أم المصائب زينب وعلى ولديك العليين الشهيد منهما والقتيل ..السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين ..السلام عليك يامولاي علي الأكبر السلام عليك أيها الشهيد وابن الشهيد .. السلام عليك أيها المظلوم وابن المظلوم  ..سيدي ماخاب من تمسك بكم وأمن من لجأ إليكم ياليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عظيما ..يا غريب يا مظلوم كربلاء

حَجرٌ على عيني يَمُرُّ بها الكَرَى ==== مِن بعد نازلةٍ بِعترَةِ أحمدِ
أقمار تمٍّ غالَها خَسفُ الرَّدى ==== واغتالَهُ بِصُرُوفهِ الزّمنُ الرَّدِي
شَتى مصائِبِهِمْ فبينَ مُكابرٍ ==== سُمّاً ومنحور وبينَ مُصَفَّدِ
سَلْ كربلا كَمْ من حشىً لمحمدٍ ==== نُهِبَتْ بها وكم استُجِذَتْ مِن يَدِ
ولَكمْ دم زاك أُريقَ بِها وكَمْ ==== جُثمان قُدس بالسّيوفِ مُبَدَدِ
وبِها على صدرِ الحسينِ تَرقرقَتْ ==== عَبراُتُه حُزْنَاً لأكرَمِ سَيّدِ
وعليُ قَدرٍ منْ دُؤابةِ هاشمٍ ==== عَبَقَتْ شَمائِلُهُ بِطيبِ المُحْتَدِ
جمعَ الصفاتِ الغرو هي تراثه ===من كل غطريفٍ وشهمٍ أصيدِ

في بأسِ حمزة في شجاعةِ حيدرٍ===بإبا الحسينِ وفي مهابةِ أحمد

وتراهُ في خُلقٍ وطيبِ خلائقٍ=== وبليغِ نطقٍ كالنبي محمدِ

تشبه الكرار جدك بالحروب او حملته   اوتشبه الجدْتك الزهرا بالعمر وابقصرته

او بالكرم تشبه لعمك حسن جوده او عفته     جملة أوصافك حميدة اوهلك من أهل الوفا

والذي هذي أوصافه اشحال قلب أمه وابوه     يرخصونه للمنيه او للأعادي يذبحوه

ماكفى العدوان ذبحه بالهنادي وزعوه         هوى او صاح ادركني بويه او من سمع صوته لفى

من سمع صوته لفى له او فرّق اجموع العدا  جلس عنده او صار يبجي او شال راسه اووسده

او صار يتفقد ابجسمه شاف سهم ابجبدته  او صاح يبني اوداعة الله بعدك الدنيا العفا

هذا هو لسان الأب الفاقد أما أمه المفجوعة فما حالها :

إجت ليله اوبعد رمله وسكنه
وكلبها شليهيدنّه وســكنه

تصيح القبر أتمنى وسكنه
ولا شوفك امطبر بين ايديّه

قال الحكيم في كتابه وشريف خطابه :(ومن شرّ حاسد إذا حسد).

هذه الآية من سورة الفلق تتحدث عن أسوأ الصفات الرذيلة وأحطها، لأنّ القرآن حين قرن بينها بواو العطف وضعه في مستوى أعمال الحيوانات المتوحشة والثعابين اللاسعة ( من شر ما خلق)والشياطين الماكرة.( ومن شر النفاثات في العقد ألا وهي الحسد ..

الحديث عن هذه الصفة الذميمة يقع على 3 محاور :

  • في بيان معنى الحسد والفرق بينه وبين الغبطة ومراتب كلا منهما
  • خطورة صفة الحسد وبواعثها وحكمه
  • هل الحسد اختياري أم لا؟ وبيان الطريق العلمي والعملي للوقاية من الحسد

المحور1:

تعريف الحسد لغة :تقول العرب حسدَه النعمةَ أو حسده عليها بمعنى تمنى أن تتحول إليه نعمته أو أن يسلبها وتقول العرب : حسدني الله إذا كنت أحسدك : أي عاقبني الله على حسدي إياك 

الحسود : هو من طبعه الحسد ذكرا كان أو أنثى

المحسَدة : ما يُحسد عليه الإنسان من مال أو جاه ونحوِهما

الحسد

و هو تمنى زوال نعم الله تعالى عن اخيك المسلم مما له فيه صلاح، فان لم ترد زوالها عنه و لكن تريد لنفسك مثلها فهو (غبطة) و منافسة، فان لم يكن له فيها صلاح و اردت زوالها عنه فهو (غيرة) . ثم ان كان باعث‏ حسدك مجرد الحرص على وصول النعمة الى نفسك، فهو من رداءة القوة الشهوية، و ان كان باعثه محض وصول المكروه الى المحسود فهو من رذائل القوة الغضبية، و يكون من نتائج الحقد الذى هو من نتائج الغضب، و ان كان باعثه مركبا منهما، فهو من رداءة القوتين. و ضده (النصيحة) ، و هي ارادة بقاء نعمة الله على اخيك المسلم مما له فيه صلاح.

و لا ريب في انه لا يمكن الحكم على القطع بكون هذه النعمة صلاحا او فسادا. فربما كانت و بالا على صاحبه و فسادا له، مع كونها نعمة و صلاحا في بادى النظر. فالمناط في ذلك غلبة الظن، فما ظن كونه صلاحا فارادة زواله حسد و ارادة بقائه نصيحة، و ما ظن كونه فاسدا فارادة زواله غيرة. ثم ان اشتبه عليك الصلاح و الفساد، فلا ترد زال نعمة اخيك و لا بقاءها الا مقيدا بالتفويض و شرط الصلاح، لتخلص من حكم الحسد و يحصل لك حكم النصيحة. و المعيار في كونك ناصحا: ان تريد لاخيك ما تريد لنفسك، و تكره له ما تكره لنفسك. و في كونك حاسدا:

ان تريد له ما تكره لنفسك،و تكره له ما تريد لنفسك.

الفرق بين الحسد والغبطة:

المنافسة و الغبطة

قد علمت ان المنافسة هي تمنى مثل ما للمغبوط، من غير ان يريد زواله عنه، و ليست مذمومة، بل هي في الواجب واجبة، و في المندوب مندوبة و في المباح مباحة. قال الله سبحانه:

«و في ذلك فليتنافس المتنافسون‏» (7) .

و عليها يحمل قول النبي-صلى الله عليه و آله-: «لا حسد الا في اثنين: رجل آتاه الله مالا، فسلطه على ملكه في الحق. و رجل آتاه الله علما، فهو يعمل به و يعلمه الناس‏» : اى لا غبطة الا في ذلك، سميت الغبطة حسدا كما يسمى الحسد منافسة، اتساعا لمقارنتهما. و سبب الغبطة حب النعمة التي للمغبوط، فان كانت امرا دينيا فسببها حب الله و حب طاعته، و ان كانت دنيوية فسببها حب مباحات الدنيا و التنعم فيها. و الاول لا كراهة فيه بوجه، بل هو مندوب اليه. و الثاني و ان لم يكن حراما، الا انه ينقص درجته في الدين، و يحجب عن المقامات الرفيعة، لمنافاته الزهد و التوكل و الرضا.

ثم الغبطة لو كانت مقصورة على مجرد حب الوصول الى ما للمغبوط لكونه من مقاصد الدين و الدنيا، من دون حب مساواته له و كراهة نقصانه عنه، فلا حرج فيه بوجه، و ان كان معه حب المساواة و كراهة التخلف و النقصان، فهنا موضع خطر. اذ زوال النقصان اما بوصوله الى نعمة المغبوط او بزوالها عنه، فاذا انسدت احدى الطريقتين تكاد النفس لا تنفك عن شهوة الطريقة الاخرى. اذ يبعد ان يكون انسان مريدا لمساواة غيره في النعمة فيعجز عنها، ثم لا ينفك عن ميل الى زوالها، بل الاغلب ميله اليه، حتى اذا زالت النعمة عنه كان ذلك عنده اشهى من بقائها عليه، اذ بزوالها يزول نقصانه و تخلفه عنه. فان كان بحيث لو القى الامر اليه ورد الى اختياره لسعى في ازالة النعمة عنه، كان حاسدا حسدا مذموما و ان منعه مانع العقل من ذلك السعى، و لكنه وجد من طبعه الفرح و الارتياح بزوال النعمة عن المغبوط، من غير كراهة لذلك و مجاهدة لدفعه فهو ايضا من مذموم الحسد، و ان لم يكن في المرتبة الاولى، و ان كره ما يجد في طبعه من السرور و الانبساط بزوال النعمة بقوة عقله و دينه، و كان في مقام المجاهدة لدفع ذلك عن نفسه، فمقتضى الرحمة الواسعة ان يعفى عنه، لان دفع ذلك ليس في وسعه و قدرته الا بمشاق الرياضيات.

اذ ما من انسان الا و يرى من هو فوقه من معارفه و اقاربه في بعض النعم الالهية، فاذا لم يصل الى مقام التسليم و الرضا، كان طالبا لمساواته له فيه و كارها عن ظهور نقصانه عنه. فاذا لم يقدر ان يصل اليه، مال طبعه بلا اختيار الى زوال النعمة عنه، و اهتز و ارتاح به حتى ينزل هو الى مساواته. و هذا و ان كان نقصا تنحط به النفس عن درجات المقربين، سواء كان من مقاصد الدنيا او الدين، الا انه لكراهته له بقوة عقله و تقواه، و عدم العمل بمقتضاه، يعفى عنه ان شاء الله، و تكون كراهته لذلك من نفسه كفارة له.

و قد ظهر من تضاعيف ما ذكر: ان الحسد المذموم له مراتب اربع:

الاولى-ان يحب زوال النعمة عن المحسود و ان لم تنتقل اليه، و هذا اخبث المراتب و اشدها ذما.

الثانية-ان يحب زوالها لرغبته في عينها، كرغبته في دار حسنة معينة، او امراة جميلة بعينها، و يحب زوالها من حيث توقف و صوله اليها عليه، لا من حيث تنعم غيره بها. و يدل على تحريم هذه المرتبة و ذمها قوله تعالى:

«و لا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض‏» (8) .

الثالثة-الا يشتهى عينها، بل يشتهى لنفسه مثلها، الا انه ان عجز عن مثلها احب زوالها عنه، كيلا يظهر التفاوت بينهما، و مع ذلك لو خلى و طبعه، اجتهد و سعى في زوالها.

الرابعة-كالثالثة، الا انه ان اقتدر على ازالتها منعه قاهر العقل او غيره من السعى فيه، و لكنه يهتز و يرتاح به من غير كراهة من نفسه لذلك الارتياح.

و الغبطة لها مرتبتان:

الاولى-ان يشتهى الوصول الى مثل ما للمغبوط، من غير ميل الى المساواة و كراهة للنقصان، فلا يحب زوالها عنه.

الثانية-ان يشتهى الوصول اليه مع ميله الى المساواة و كراهته للنقصان، بحيث لو عجز عن نيله، وجد من طبعه حبا خفيا لزوالها عنه و ارتاح من ذلك ادراكا للمساواة و دفعا للنقصان، الا انه كان كارها من هذا الحب، و مغضبا على نفسه لذلك الارتياح، و ربما سميت هذه المرتبة ب (الحسد المعفو عنه) و كانه المقصود من قوله-صلى الله عليه و آله-:

«ثلاث لا ينفك المؤمن عنهن: الحسد، و الظن، و الطيرة. . . ثم قال: و له منهن مخرج، اذا حسدت فلا تبغ-اى ان وجدت في قلبك شيئا فلا تعمل به، و كن كارها له-و اذا ظننت فلا تحقق، و اذا تطيرت فامض‏» .

ويذكر السيد عبدالحسين دستغيب في كتابه الذنوب الكبيرة أن العلامة المجلسي في مرآة العقول أن الغطة لها خمسةُ مراتب

  • فهي أحيانا تكون واجبة وهي الغبطة على الواجبات : كما لو أدت رفيقتي الحج الواجب وتسامحتُ أنا فهنا يجب علي أن أتمنى لو أكون مثل صديقتي لأنني لو لم أتمنّ لكان ذلك معناه أنني راضية بترك الواجب وهذا في نفسه حرام
  • وأحيانا تكون مستحبة إذا كانت الغبطة في المستحبات : لو وفقت صديقتي لفعل مستحب كالزيارة
  • وأحيانا تكون مكروهة كغبطة من ارتكب مكروها وظهر لي أنه قد حصل له خير فتمنيت مثله
  • وأحيانا تكون محرمة كغبطة من حصل على مال حرام

وهذه الغبطة وإن كانت حراما في نفسه معفو عنها من أهل الإيمان مالم تنجر إلى الفعل

  • الغبطة في المباحات وهي مباحة بالطبع

حكم الحسد : قال بعض الفقهاء : الحسد ليس بحرام مالم يظهر مستدلا بحديث الرفع : (وضع عن أمتي تسعُ خصال : الخطأ والنسيان ..إلى أن قال والحسد مالم يظهر لسان ويد )

وقال المحقق الحلي في الشرائع :( الحسد معصية وكذا بغض المؤمن والتظاهر بذلك قادح في العدالة )

المحور الثاني :

خطورة الحسد :

  • خصلة سيئة شيطانية إذا ظهرت في الإنسان فإنها تدل على وجود خلل حيث أنهامؤشر يدل على ضعف الإيمان، وضيق أفقه .
  • الحسد منبع كثير من الذنوب الكبيرة.

عن الإمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام) قال: «إنّ الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النّار الحطب»(1).

وعن الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) قال: «أفة الدين الحسد والعجب والفخر»(2).

بالنظر لمعنى كلمة آفة :

الآفَةُ : كلُّ ما يصيب شيئاً فيفسده ، من عاهة أَو مَرَض أَو قحط
آفة زراعيّة : مَا يُفْسِدُ الزَّرْعَ مِن دُودٍ أَوْ حَشَرَاتٍ وَغيْرِهَا
آفَةُ العِلْمِ النِّسْيَانُ : مُصِيبَةُ العِلْمِ لأن الحسود يعترض في الواقع على حكمة اللّه وعلى ما آت اللّه من نعمة لهذا الفرد أو ذاك. كما يقول سبحانه: (أم يحسدون النّاس على ما آتاهم اللّه من فضله)(3).

وقد يبلغ الحسد بالحاسد إلى أن يوقع نفسه في كلّ تهلكة من أجل زوال النعمة من الشخص المحسود، كما هو معروف في حوادث التاريخ.

  • «الحساد» كانوا دوماً عقبة على طريق الأنبياء والأولياء. ولذلك يأمر اللّه نبيّه أن يستعيذ بربّ الفلق من شرّ حاسد إذا حسد.

طبعا المخاطب في هذه السّورة والسّورة التالية شخص رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنّه خوطب لأنّه القدوة والنموذج، وكلّ المسلمين يجب أن يستعيذوا باللّه من شرّ الحاسدين.

اللّهمّ! إنّا نعوذ بك من شرّ الحاسدين

إلهنا! احفظنا من شرّ الوقوع في حسد الآخرين

وكذا نقل عن الإِمام الصادق(عليه السلام) أنه قال: «أُصول الكفر ثلاثة: الحرص والاستكبار والحسد، فأمّا الحرص فإِن آدم حين نهي عن الشجرة حمله الحرص على أن أكل منها، وأمّا الاستكبار فإِبليس حيث أُمِر بالسجود لآدم فأبى، وأمّا الحسد فإبنا آدم حيث قتل أحدهما صاحبه»(3).

ويكفي الحسد خطورة أن أول جريمة وقعت في عالم البشرية كان دافعها الحسد بعد أن تقبل الله قربان أخيه هابيل أخذت تعصف به الأحاسيس والمشاعر المتناقضة، فمن جانب استعرت فيه نار الحسد وكانت تدفعه إِلى الإِنتقام من أخيه “هابيل” ومن جانب آخر كانت عواطفه الإِنسانية وشعوره الفطري يقبح الذنب والظلم والجور وقتل النفس، يحولان دون قيامه بارتكاب الجريمة، لكن نفسه الأمارة بالسوء تغلبت رويداً رويداً على مشاعره الرادعة فطوعت ضميره الحي وكبلته بقيودها واعدته لتقل أخيه، وتدل عبارة “طوعت” مع قصرها على جميع المعاني التي ذكرناها لأنّ عملية التطويع كما نعلم لا تتمّ في لحظة واحدة، بل تحصل بشكل تدريجي وعبر صراعات مختلفة.

  • وأي خطورة على المؤمن أشد من خسارة الدنيا والآخرة فأما في الدنيا فإن الحسود في الدنيا دائم الهم والغم والضيق لرؤيته النعمة لدى الآخرين وهو يشعر بالعجز لأن النعمة لاتزول عن محسوده بسببه بل ربما تتضاعف فيتسع أفق ضيقه وأما في الآخرة فخسارته كبيرة لأنه محروم من الحضور القلبي وقد يُحرم من بعض العبادات الكبيرة كالإحسان إلى المؤمنين وإكرامهم وإضافة إلى ذلك فما كان لديه من عمل صالح فإنه يُهديه للمحسود ليزيد من حسناته وتنقص حسناته مقابل ذلك .بل الأخطر أنه في مقام التضاد والتعاند معه اللع ولي النعم الذي أفاض النعم والخيرات على من يشاء بمقتضى حكمة ومصلحة .

بواعث الحسد

بواعث الحسد سبعة:

الاول-خبث النفس و شحها بالخير لعباد الله. فانك تجد في زوايا العالم من يسر و يرتاح بابتلاء العباد بالبلايا و المحن، و يحزن من حسن حالهم وسعة عيشهم. فمثله اذا وصف له اضطراب امور الناس و ادبارهم، و فوات مقاصدهم و تنغص عيشهم، يجد من طبعه الخبيث فرحا و انبساطا و ان لم يكن بينه و بينهم عداوة و لا رابطة، و لم يوجب ذلك تفاوتا في حاله من وصوله الى جاه او مال او غير ذلك. و اذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله و انتظام اموره، شق ذلك عليه، و ان لم يوجب ذلك نقصا في شي‏ء مما له. فهو يبخل بنعمة الله على عباده من دون قصد و غرض، و لا تصور انتقال النعمة اليه، فيكون ناشئا عن خبث نفسه و رذالة طبعه. و لذا يعسر علاجه، لكونه مقتضى خباثة الجبلة، و ما يقتضيه الطبع و الجبلة تعسر ازالته، بخلاف ما يحدث من الاسباب العارضة.

الثاني-العداوة و البغضاء. و هي اشد اسبابه، اذ كل احد-الا اوحدي من المجاهدين-اذا اصابت عدوه بلية فرح بذلك، اما لظنها مكافاة من الله لاجله، او لحبه طبعا ضعفه و هلاكه. و مهما اصابته نعمة ساءه ذلك، لانه ضد مراده، و ربما تصور لاجله انه لا منزلة له عند الله حيث لم ينتقم من عدوه و انعم عليه، فيحزن لذلك.

الثالث-حب الرئاسة و طلب المال و الجاه. فان من غلب عليه حب التفرد و الثناء، و استقره الفرح بما يمدح به من انه وحيد الدهر و فريد العصر في فنه، من شجاعة او علم او عبادة او صناعة او جمال او غير ذلك، لو سمع بنظير له في اقصى العالم ساءه ذلك، و ارتاح بموته او زوال النعمة التي يشاركه فيها، ليكون فائقا على الكل في فنه، و متفردا بالمدح و الثناء في صفته.

الرابع-الخوف من فوت المقاصد. و ذلك يختص بمتزاحمين على مقصود واحد، فان كل واحد، منهما يحسد صاحبه في وصوله هذا المقصود طلبا للتفرد به، كتحاسد الضرات في مقاصد الزوجية. و الاخوة في نيل المنزلة في قلب الابوين توصلا الى مالهما، و التلامذة لاستاذ واحد في نيل المنزلة في قلبه، و ندماء الملك و خواصه في نيل المنزلة و الكرامة عنده، و الوعاظ و الفقهاء المتزاحمين على اهل بلدة واحدة في نيل القبول و المال عندهم، اذا كان غرضهم ذلك.

الخامس-التعزز: و هو ان يثقل عليه ان يترفع عليه بعض اقرانه و يعلم انه لو اصاب بعض النعم يستكبر عليه و يستصغره، و هو لا يطيق ذلك لعزة نفسه، فيحسده لو اصاب تلك النعمة تعززا لنفسه. فليس غرضه ان يتكبر، لانه قد رضى بمساواته، بل غرضه ان يدفع كبره.

السادس-التكبر: و هو ان يكون في طبعه الترفع على بعض الناس و يتوقع منه الانقياد و المتابعة في مقاصده، فاذا نال بعض النعم خاف الا يحتمل تكبره و يترفع عن خدمته، و ربما اراد مساواته او التفوق عليه، فيعود مخدوما بعد ان كان خادما، فيحسده في وصول النعمة لاجل ذلك و قد كان حسد اكثر الكفار لرسول الله-صلى الله عليه و آله-من هذا القبيل، حيث قالوا: كيف يتقدم علينا غلام فقير يتيم؟

«لو لا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم‏» (9) .

السابع-التعجب: و هو ان يكون المحسود في نظر الحاسد حقيرا و النعمة عظيمة، فيعجب من فوز مثله بمثلها، فيحسده و يحب زوالها عنه و من هذا القبيل حسد الامم لانبيائهم، حيث قالوا:

«ما انتم الا بشر مثلنا» (10) . «فقالوا: انؤمن لبشرين مثلنا» (11) . «و لئن اطعتم بشرا مثلكم انكم اذا لخاسرون‏» (12) .

فتعجبوا من فوز من هو مثلهم برتبة الوحي و الرسالة، و حسدوه بمجرد ذلك، من دون قصد تكبر او رئاسة او عداوة او غيرها من اسباب الحسد.

و قد تجتمع هذه الاسباب او اكثرها في شخص واحد، فيعظم لذلك حسده، و تقوى قوة لا يقدر معها على المجاملة، فتظهر العداوة بالمكاشفة.

المحور الثالث: هل الحسد اختياري ؟

الشيء غير الاختياري هو الخواطر القلبية كأن يشعر الإنسان قهرا ومن دون اختيار بالضيق عندما يعلم أن شخصا له معه عداوة سابقة قد حصل على نعمة معينة ويحب أن تزول عنه وأما أن يستمر على هذه الحال ويبقى قلبه مشغولا بهذه الخاطرة السيئة فهذا اختياري وهو من الذنوب القلبية لأنه يستطيع أن يزيل هذه المعصية بالطريق العلمي والعملي

فأما الطريق العلمي فأن يعود ويتفكر بما ذُكر من مفاسد الحسد بل ويتفكر في مذمّة الدنيا وفنائها حتى يزيل شجرة حب الدنيا التي هي أساس كل معصية من قلبه ويتحرر منها

أما الطريق العملي فأن لا يتتبع هذه الخواطر السيئة ولا يعمل بها لأن كل خاطرة لا تعمل بها تزول من نفسك كما ورد في الروايات ( الوسوسة مثل الكلب يهجم عليك فكلما اعتنيت به اشتد عناده وكلما أهملته ابتعد)

 

 مما سبق يمكننا أن نصل إلى نتيجة

أن منشا الحسد :حب الدنيا، اذ منافعها لضيقها و انحصارها تصير محل التزاحم و التعارك، انه لا تحاسد بين علماء الآخرة والعارفين ، وإنما يقع التحاسد بين علماء الدنيا وأولئك  يقصدون بعلمهم طلب المال و الجاه ،أما علماء الآخرة فإنهم يلتذون و يبتهجون بكثرة المشاركين في معرفة الله و حبه و أنسه، و إذا امتلا قلبه من الابتهاج بمعرفة الله، لم يمنع ذلك من أن يمتلى‏ء غيره به.نعم القلب الذي يمتلأ معرفة يمتاز سلوكه وحديثه عن غيره ..(أو لسنا على الحق ؟) قال ع : ( بلى والذي إليه مرجع العباد)قال ( إذا لا نبالي أن نموت محقين ) وفي رواية : ( لا نبالي أوقعنا على  الموت أم وقع الموت علينا ) هذه العبارة اختص بها من بين أبناء الإمام الحسين ع وأصحابه فلم ينطق بها سوى مولاي الأكبر علي ع ..كم هو عجيب ٌ هذا القدر حيث وضع الإمام الحسين ع في هذه المحطة  حيث أنه ع كان على ظهر جواده فخفق خفقة فرأى فراسا على فرس يقول : القوم يسيرون والمنايا تسرع بهم وعلم الإمام أن أنفسهم نعيت إليهم .. عجيبة هذه المحطة التي تمثل فيها الإمام الحسين ع بصورة أحد الأنبياء ع وهو خليل الله النبي ابراهيم ع حيث وجه التشابه أن النبي سار بأهله إلى واد غير ذي زرع  وها هو الإمام ع جاء بظعنه إلى واد غير ذي زرع وهو يعلم أنه لن يكون ذا ماء ذات يوم .. عجيب هو القدر أرادك أن تلقي هذه الكلمات فلا يجيبك سوى اسماعيلك  الذي سيقول للقدر افعل ما تؤمر وسيُذبح دون أن يُفدى بذِبح عظيم .. نعم قال اسماعيلك تلك الكلمات وكأنه يقول أنا لا أبالي بالموت على الرغم من أنني أعلم أن فراقي من أشد اللحظات الحرجة التي تمر بها وأنا أعلم أن وداعي سيكون من أشد اللحظات الأليمة على قلبك ولن تستطيع لها صبرا ولن تتمكن من أن تتفوه بالإذن لي للخروج إلى القتال بل ستكتفي بأن ترخي عينيك بالدموع  وتقول بقلب محروق يبث شكايته لله : ( اللهم اشهد عليهم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقا وخُلقا ومنطقا بحبيبك محمد (ص) وكنا إذا اشتقنا إلى النظر إلى وجه نبيك (ص) نظرنا إليه )



موقف عاشوراء الحسين

9 نوفمبر 2014
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

موقف عاشوراء الحسين

وقف السبط يوم عاشوراء قائلا: (ألستم تعرفون من أنا؟ فانسبوني وانظروا من أنا، ثم راجعوا أنفسكم وعاتبوها، فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟)

وبقوله هذا يريد أن يقول: استغلوا عقولكم واستخدموها لتعرفوا من أنا؛ فإنكم إن فعلتم ذلك عرفتم أني ابن من أنقذكم من حيرة الجهالة، ومن جاهلية الظلالة، وانتقل بكم إلى الهدى، وأني ابن من حمل إليكم النور وإشعاع السماء. كما إن في معسكري ومعسكركم جملة من الصحابة الذين سمعوا ما قاله جدي في وفي أخي حيث قال: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)، فحكموا عقولكم واعرفوا من خلال الأحاديث الشريفة ما الذي أنا عليه.

وكان يريد أن يقول (ع): إنه في هذا الموقف أعلم بكل خطوة خطواها، وليس يستجدي العفو منهم، فهو على علم تام بأسرار النهضة وبأسباب خروجه، كما إنه (ع) كان مصمما على تحقيق الهدف الذي خرج من أجله، وقد وصل إليه وإن كلفه أهله وأصحابه روحه الطاهرة ثمنا، وكل ذلك لا قيمة له أمام أمر يعد الدفاع عنه دفاعا في سبيل الله، بل إن كل ذلك يهون أمام تحقيق الهدف الذي نذر نفسه إليه، والذي هو عنوان نهضته. ولكن كل ما أراده (ع) تحريك العقول وممارسة وظيفتها، حتى لا يقعوا في مغبة عمى النفس وضلالتها، وهو ما يأخذ بهم إلى النار، الذي عليه أن يستنقذهم منها لأنهم تحت رعايته ومسؤليته. ولذلك كان يقول لهم: (أفهؤلاء تعضدون، وعنا تتخاذلون؟) إنه يوبخهم على سبب التفاهم على رؤوس الكفر والغدر، وانجذابهم إليهم، وتركهم الحق وأصحابه المتمثل في أبناء رسول الله (ص) مع أن رؤوس الغدر أخذوا البيعة منهم مكرهين وعبيد أقنان، وليس على أنهم رعية لهم حقوقهم.

وكأنه (ع) يريد أن يقول لهم: إن أبيتم إلا ذلك فلماذا تستبيحون دمي وتنتهكون حرمات رسول الله (ص)؟ (ويلكم على ماذا تقتلونني، أعلى عهد نكثته، أم على سنة غيرتها، أم على شريعة بدلتها؟)

لكن رين على قلوبهم، وأعميت عيونهم عن الحق، وما كان جوابهم إلا أن قالوا: نقاتلك بغضا لأبيك. فقاتلوه (ع)،  فرمق بنظره الشريف إلى السماء وقال: (اللهم إن هؤلاء قوم قد استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون)). ثم وضع سيفه على قائم سيفه ونزل المعركة يقاتلهم.

يقول الكعبي:

خلط البراعة بالشجاعة *** فالصليل عن الدليل

للسانه و سنانه *** صدقان من طعن و قيل‏

وأبو المنية سيفه *** وكذا السحاب أبو السيول



ثأر الرضيع

9 نوفمبر 2014
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

ثأر الرضيع

بعد مكة والمدينة والكوفة، يأتي الطالب بالثأر (ع) إلى أرض كربلاء، فيقف على قبر عبد الله الرضيع، ثم يمد يده الشريفة، فيستخرج الطفل عبد الله الرضيع، ثم يعرضه على أصحابه، ويقول لهمم: (ما ذنب هذا الطفل الرضيع، يقتل وهو على يدي أبيه؟).

وليس عبد الله هو المذبوح الوحيد يوم الطف، بل إن التاريخ يحدثنا بأن هنالك أكثر من رضيع سوى عبد الله قد ذبحوا يومها من آل محمد (ص).

يقول الشاعر:

كم رضيع لك بالطف قضى *** عطشا يقبض بالراحة راحا 

ولم تكن دماؤه (ع) ولا دماء أطفاله وحدها هي التي أخذها ورمى بها إلى السماء، بل إنه(ع) كان يأخذ دماء الشباب من شهداء آل محمد(ص) ومن غيرهم، وكان يأتي بشهداء آل محمد إلى خيمة مخصوصة حتى تجتمع إليهم عماتهم وأمهاتهم وأخواتهم ليندبنهم، فكن يأخذن من دمائهم ويصبغن بها الوجوه والشعور.

يقول الشاعر:

خضبوا وما شابوا وكان خضابهم بدم من الأوداج لا الحناء 

ومغسلين ولا مياه لهم سوى عبرات ثكلى حرة الأحشاء 

أصواتها بحت فهن نوائح يندبن قتلاهن بالإيماء



Real Time Web Analytics